Friday, June 15, 2012

بـروفـة


ما الذي ستفعله لو اكتشفت متأخرا أن حياتك مجرد (بروفة) مستمرة حتى النهاية. لا عرض يأتي بعدها ولا جمهور. وأن كل ما تقوم به عبارة عن استعداد لمشهد لن تؤديه أبدا. ماذا ستفعل بالأقنعة التي لبستها حتى صارت مثل وجهك، وحتى ضاع وجهك فيها ولم تعد تعرف حين تطالع في المرآة ملامح من هذه. الكلمات التي تدربت طويلا على ترديدها ستظل واقفة في جوفك ولن يسمع بها أحد. وحين ستصرخ في الفراغ لن يعود إليك الصدى المجروح ولن يصفق لك أحد. كل قطرة دمع ذرفتها في مشهد الحزن ستجف قبل أن تصل إلى الأرض ولن تترك أثرا، ولو هزيلا، في جفاف خدك. وكل ضحكة أطلقتها في هستيريا الفرح ستكتم الجدران العازلة دوّيها حتى لا تتحول إلى عادة أو تشرد كنغمة ويسمعها الناس في البعيد. ومن يعيش في بروفة دائمة، يعتاد الوحدة حتى وهو بين الحشود، لأنه يتحول إلى شبح غير مرئي ولا يعود يسمع به أحد مهما تظاهر أو بكى.

البروفة حالة بين زمنين، قيام أبدي في ساعة الانتظار، يأتي المحرومون إلى غرف بروفاتهم موهومين بالانتقال من حال إلى حال، لكنهم يظلون العمر كله، يتدربون على أدوار الحرمان نفسها، تظل الضحية تتأوه تحت سياط الجلاد، ولا يتغير في مشهد تصاعد الجبروت هذا سوى انقلاب الأدوار والشخصيات. وساعتها، حين يتعب الجلاد وتخور يداه، تنهض الضحية من حرمانها وتحمل السياط وتبدأ بالرقص المجنون على انقاض الندم، مختالة بانقلاب الزمان على نفسه. ولأن البروفة أصلا بلا جمهور، لا يعود مهما من الذي يحمل السوط ومن الذي يئن بالصوت، كلاهما يلعب في المشهد ويرتجل على هواه ما دامت الستارة لم ترفع بعد.

تبدأ البروفات عادة على الورق، يجلس الخير والشر متقابلين على طاولة القراءة ويبدءان بمراجعة تكوينهما الأول وجذرهما الأصلي فيكتشفان أنهما يولدان من الرحم نفسه، وعليهما أن يتعايشا على الأرض نفسها، وأن يقتسما الفاكهة والماء والنار والكلأ. لكن هذه الحقيقة لن تمنع الصراع بين الاثنين من الظهور. فيختار أحدهما اللعب بالنار لتخويف الآخر ونهب الشجر قبل القطاف والجلوس وحيدا قرب النبع وتشييد الأسوار وراء الأسوار، فيما يذهب الآخر لنثر بذور الطيبة في الأرض التي تشققت منتظرا شروق الشمس يوما ما. ومن لعبة الخير مع الشر تولد المعاني المتضادة، يكبر العناد ويظنه المغرور عزّة، وتصغر العزّة وتنقلب إلى ذلّ. ثم تخرج هذه المعاني زحفا من الورقة إلى الخشبة، هذا على شكل وحش، وذاك على شكل وردة، ويظل الصراع بينهما مستمرا إلى الأبد.

حياتي كلها بروفة عشق

غناء صامت وراء الستارة

وأنت جمهوري الوحيد

 

No comments:

Post a Comment