Friday, June 15, 2012

أغصان


التشبث بالغصن المائل عادة الغرقى الذين يكون التيار القوي قد جرف خطواتهم إلى حافة النهاية، ولم يبق لهم سوى بصيص أمل بالنجاة. والأغصان المائلة لا تدوم طويلاً، وإن تعلق بها أحد، فإنها سرعان ما تنفصل عن جذعها الأول وتسقط مع صاحبها في الشلال، وما منقذ لهما بعد ذلك.

التعلق بالغصن المكسور عادة المهزومين، عندما تجف المياه تحت أرجلهم وتتيبس عروق الأشجار التي كانت تظلهم، ولا يكون هناك من منجى سوى القبول بنصف الظل، وتذوق الثمرة اليابسة، والتعكّز على عود هش.

التسلق فوق الغصن العالي عادة المخطوفين بحب الشمس، أولئك الذين لا يقبلون أن يعكر الغبار روعة رؤيتهم للنور، فتراهم يذهبون في الفجر الى اعتلاء القمم المستحيلة، والجلوس هناك للاستمتاع بمشهد إشراق الوضوح. ومن يرى الدنيا من أعلى قمة لا يعود يكترث الى التفاصيل المملة، ويصبح الوجود بالنسبة له، مثل ساعة عملاقة معلقة في الفراغ لا تدق ولا يسمعها أحد، لكن عقاربها تركض وراء بعضها في سباق صامت.

بناء الأعشاش بين زوايا الأغصان الحادة والمحدبة، لن يمنع الأفعى من الاهتداء لها، والطيور التي ظنت أنها ستحتمي بالتخفي وراء ورق الشجر، تعود لتهاجر في كل خريف بحثاً عن مأوى جديد. ومن عادة الأشجار أن تتعرى من ثيابها البالية المصفرّة، وتظل فصلاً كاملاً حتى تعود الطبيعة لتلبسها فستانها الأخضر من جديد. والبشر الذين يحتمون بالجدار الرخو، ويبنون بيوتهم من الريش المتساقط، سرعان ما ينقشعون عند هبوب رياح التغيير التي تجرف الأغصان المتكسرة.

من عادة القرد أنه يقفز من غصن إلى غصن ولا يقر له قرار في مكان واحد. يظل يتقلب في المعنى وضده غير مستقر على حرف، أو اسم أو يقين. ومن يقفز كثيراً، لابد أن يجّرب السقوط، يهوي من علياء غروره الى الأرض فتجرحه الصلابة ويدرك بعدها أن الحياة عبارة عن ركض أبدي نحو الاستقرار في المعنى الأصلي الذي لا تتكشف أزهاره إلا لمن حفروا عميقاً في المكان الواحد، وسبروا أغوار المجاهل لاستخراج الأسرار من مكمنها.

الأيادي أغصان البشر. يتصافح النبات الطيب مع بعضه، ويثمر ورداً وعطراً وكلاماً أبيض. وتتخاصم أشواك الشر وتجرح بعضها، وتتكاثر كلما تفرعت القسوة في القلوب المريضة. والأغصان الطويلة هي التي تمتد لتمنح وتعطي من غير منّ، والأغصان الجارحة هي تلك التي تتغذى من مستنقع الجهل وتثمر الأمواس، ولا يرصد خطرها الخفي سوى شاعر لا لزوم له.

تتورد الأغصان خجلاً حين تمرين

مختالة بتاج النور، وجهك الشمس

الظلال الطويلة تقصر كلما اقتربنا

نتصافح قلباً بقلب.

No comments:

Post a Comment