Saturday, June 16, 2012

عادل خزام محدقاً في ذاته



الشاعر في جبة الحكيم

تاريخ النشر: الخميس 20 مايو 2010

شهيرة أحمد:
مرة قرر الشاعر أن يرتحل إلى نفسه، أن يتوغل في كهوفها النورانية المحجوبة بسدف المألوفية والاعتياد، فهاجر إليه وسكن في التأمل مختاراً شجرة المحبة الأكبر من الكون، هناك... عثر على فصوص حكمه الصغيرة، ولما كان محباً ومدركاً لجمال ما تحصل عليه من المحبة ومعرفة الذات، وما عاشه من الصفاء الروحي، فقد قرر مرة أخرى أن ينقل لنا تجربته وبعض تأملاته وروحانياته ومكابداته الصوفية، فكتب ما شاء له القلم وأرسل محصوله الكلامي إلى مشروع “قلم” في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث لتصدره لنا تحت عنوان: “مسكن الحكيم”.

عادل خزام في حالات الحكيم يقع على زبدة المعنى، وبيت القصيد حيناً، ويغادر حقول الشعر الى غمار الحكمة حيناً آخر... يرتدي قميص الحكيم ويعيش في جبته متماهياً مع فلسفات كثيرة حثت المرء على معرفة نفسه ورأت في هذه المعرفة “معرفة الذات” أقصر السبل الى حياة الجمال والصفاء والعطاء الإنساني.

كان الشاعر عطشاناً الى الصمت، وكانت الغزالة (غزالة القلب) عطشانة في صمتها، فما كان على الشاعر إلا أن يبوح، فتفجر النبع من الكلمة، وسكن الرائي في سدة القول... قريباً... قريباً... من مفترق الروح وهي تختار التحليق في صبوات المحبة.

بين الرؤى والنصوص

وزع عادل خزام تركته الفكرية وزاده التأملي بالعدل والقسطاس على كتابه، منح للنصوص لغة مضيئة تنام على حواف الشعر، ومنح الرؤى عمقاً رؤيوياً يسكن على تخوم الفكرة، ورغم الاختلاف في اللغة وطرائق التعبير ظلت الرؤيا هي القاسم المشترك الأعظم بين جناحي كتابه/ يمامته البيضاء التي لونها بكل الألوان مانحاً الأبيض سيادة شبه مطلقة. وبعيداً عن فنيات الكتابة وهي كثيرة تتوزع على القصيدة والشعرية في معناها الأوسع، واللغة الانتقائية ذات المستوى الأدبي الرائق (في النصوص)، والسيناريو والحوار والقص والتداعي والتقطيع المشهدي الذي تتوسله الكتابة السينمائية (في الرؤى)،
في وسط كل هذا نجح عادل خزام الى حد بعيد في تقديم معالجة عميقة وتحليلية وربما جديدة احياناً لليومي والعادي، في محاولة لاستعادة الروح، روح الإنسان وقدراته الخلاقة وإمكانياته وملكاته الروحية المطمورة تحت إيقاع العصر الذاهب في حضارة عرجاء، ترى العلم إلهاً جديداً للبشر، وتقصي كل ما هو روحي وسماوي وأسطوري في الإنسان.. هذه الحضارة بأسنانها المعدنية الهائلة، التي كسبت ناطحات السحاب، وخسرت غمار النفس وحنطتها وجمالها الداخلي العالي... العالي... إلى الحد الذي جعل الشاعر يكتب بلغة أخرى مغايرة علها تقول شيئاً مما يخبئه “تحت لسانه”.

الشاعر في المحبة

في الصمت، الصمت الوجودي، الكامن بين كل ما نقول ونفعل تتجلى الحكمة وتنكشف حقيقة الوجود. هناك وجد الشاعر روحه الأخرى الغائبة، حقيقته المغماة، فعاد إلينا يخبرنا أن “الصمت هو الأصل وباقي الاصوات مجرد ظلال له”، وليطلب منا بكل محبة: اصمتوا... أصيخوا لهذا الصمت المقدس.

ولم يكن طلبه نابعاً من ضيقه بالكلام بقدر ما كان دعوة للإنسان المرهق، المهدود من التعب النفسي والعصبي والضغوط الحياتية، المنفي عن ذاته وعن وعيه، الحائر في تدبير شؤونه وشجونه، لكي يرتاح قليلاً، ويهدأ، ويعيش بعض السلام النفسي والسعادة التي باتت عزيزة المنال. والكتاب كله، نصوصاً ورؤى، ليس سوى دعوة للإنسان لكي يعيش بقلب مفعم، بحب الحياة وحب الناس وحب الذات، لكي ينجو من المتاهة الهائلة المفتوحة على مصراعيها للبشر.
ومن يريد الخروج من المتاهة عليه بالحكمة، والحكمة يجدها هناك في العزلة، حيث الروح تكتمل ويشعر المرء أن وطنه هو الكون كله.

يتفكر خزام ويتدبر ثم يصوغ خواتيم ملآ بالأمل لنصوصه الداعية الى المحبة والتسامح. وإذ يدعونا الى هذا الكم الهائل منهما يطالبنا بأن نطلق قوانا الخفية، أن نحرر النفس من قيود الداخل لكي تتحرر من قيود الخارج، أن ننفض غبار أرواحنا لكي تظهر تلك اللؤلؤة المكنونة والجوهرة غير المصونة (على الأقل في واقعنا الحالي) التي اسمها الروح. وإذ يفعل هذا لا يفعله غافلاً او متغافلاً عما يحيط بنا من بشاعات كثيراً ما يمرر نقده اللاذع لها (ينتقد طرائقنا في الشعور والتفكير والتعلم والتربية وممارساتنا اليومية والإعلامية والثقافية والعملانية وأبنيتنا ومدننا وغربتنا الواسعة في مدن تضيق بوجوهنا وتتسع لملايين السحنات الغريبة)، لكنه مع ذلك، ومع إدراكه لما يجري من سفح لإنسانيتنا سواء مبطناً او معلناً يبقى مصراً على أن المحبة هي الخلاص وهي السبيل الذي سيحرر الإنسان، وهي خاتمة جميلة لـ”نصوص”:

جلس الرجل الحكيم على صخرة في العراء وكتب السطور التالية:

القفل مهما كبر حجمه يسهل كسره.

المفاتيح تظل تعمل حتى لو غطاها الصدأ.

اللص يكره الباب أكثر من الجدار.

من باب المحبة يمكن العبور بخفة الى قلوب الناس.

الحرية المقدسة

من الباب/ فكرة وإيحاء يعبر الشاعر الى الحرية، ينادي كل إنسان لكي يكون حراً.. يقرأ الباب مفردة ودلالة في حضور النافذة، وبعد مقارنة طويلة بينهما يصل الى ضالته/ حكمته: “في حياتنا العربية آلاف الأبواب المغلقة أكبرها على الإطلاق هو باب الحرية التي تبدأ من العقل والقلب”، أما حراس الباب فهم ليسوا حراساً تقليديين كما نعرفهم، بل حراس من نوعية مختلفة، إنهم في كتاب الأعمدة الصحافية، وفي الإعلام والثقافة واماكن العمل وشاشات التلفاز والشعراء الصامتون على رصيف الخوف، وهم أيضاً في المربين المزيفين.

تبدأ الحرية مثل السلم الموسيقي، ما عليك إلا أن تتعلم أوله لتكر النغمات وحدها.. إنها الريح التي لا تقف في مكان وما عليك إلا أن تتبعها: “طارد الأفكار التي تغلق روحك وأخرجها من عقلك واقذفها في الوحل... لا تستر الشك لأنه قبرك. الرياح تذهب دائما لأنها تموت لو بقيت في المكان نفسه”.

والحرية تبدأ بتحرير الذات من كل ما يكبلها ويأسرها، من كرسي الوظيفة وكل كرسي آخر في الحياة، من الأشكال التقليدية التي تقولب الروح في إسارها وتؤطره بمساحتها، فالحرية الكاملة هي في التحليق، في الصعود إلى القمة لأن الذين يحيون بعيداً عنها هم في النهاية مشدودين الى السفوح يدورون فيها كما يدور الثور في الساقية، والقمة الحادة لا تتسع لاثنين، هؤلاء هم الأحرار الحقيقيون، الباحثون عن الحقيقة ممن لا تغريهم الأرض بملذاتها ومنهم (الشاعر المغامر في اجتراح القصيدة المفتوحة بلا حدود، والعالم الذي يموت بسبب اكتشافاته، والفيلسوف النائم في سؤال الحقيقة التي لم يقلها أحد، والزاهد والمتأمل وأصحاب القلوب الكبيرة)..!

كيف تتسع القمة لكل هؤلاء يا عادل؟

الحكيم لديه الجواب، في ركل الخوف بعيداً. في رمي أقنعته الستة (يمكن لمن شاء ان يتدبر ان يجد غيرها الكثير)، وهي وصفة معتبرة للحرية تكفل في حال تم تطبيقها (وعلى ضمانتي) أن تحرر الإنسان والأوطان أيضاً، وهي بالمناسبة كلها اقنعة سلوكية وممارسات نختبئ خلفها معتقدين أنها حصننا الآمن فيما هي في حقيقتها تشلنا عن الحياة.

لكنها الحرية الصعبة/ المستحيلة/ الحلم، ولكي لا يساء فهم دعوته الحلمية هذه يسارع الى ربطها بالمسؤولية ليقول لنا إن الحرية ليست لعبا بقوانين الحياة: “الحرية نفسها هي سبب خضوعه وانحنائه للقانون والى الركض لمعانقة اسرته والحضور مبكرا الى الوظيفة، وكأن الحرية هي نفسها المسؤولية، وأنك كلما التزمت بمسؤولياتك صرت اكثر حرية من ذي قبل”.

قال الحكيم: غيروا عيونكم

يقول الحكيم إن مما يعمق المحبة اظهار الامتنان، أي رؤية كل ما يحيط بنا وما حولنا بعين أخرى، عين ترى النعمة وتمتن لها، عين تكتشف الجمال في الماحول، في كل المفردات التي قتلت جمالها العادة، بدءا من الغرفة وسقفها والمنزل وأهله وبنائه والحديقة وأزهارها وطيورها.. والشارع وناسه، والطبيعة وكائناتها حيث تجد الروح ضالتها ويلتقي كل امرئ بما يهوى. يتحول من السلبية الى الايجابية، من التشاؤم الى التفاؤل. يخلع النظارة السوداء ليرى العالم والكون بعيون نظارة ملونة.

هذه النظرة المغايرة لما نعيشه تسبغ على كل شيء معان أخرى، تضفي الحياة على الميت من المشاعر، توقظ لذة المتعة التي طمرتها العادة، تظهر لنا “نعمة التنفس” التي لا نلاحظها منحة كبرى تصنع لنا حياة صحية، وتهتف بنا: تنفسوا تصحوا. كما تستطيع أن تجعل من “السابعة صباحاً” بداية لكل ما هو مفرح وأن تصنع لنا جرعة من التفاؤل المركز والعمل المتقن، والشخصية الإيجابية، ولا يحتاج المرء لكل هذا سوى أن يغير نظرته الى الحياة، ويصحو على المحبة والرغبة في العطاء.

هكذا يدعو خزام الى قراءة جديدة مقترحة لكل شيء، والتحديق او فتح عيوننا على اتساعها لترى ما خفي من الحكمة المحجوبة بسدف العادي والمألوف. قراءة تتقصى الكوامن والخوافي الرابضة خلف سلوكياتنا وأفكارنا، تكشف أكماتها المستترة، ترى الضوء في قلب العتمة، وتقرأ في الأيدي شخصيات أصحابها، وتنتبه الى “صناعة الخضوع” التي تجري على قدم وساق في مدارسنا وطرقنا التربوية والتي تبدأ “بقلم أحمر” في يد المدرس لتصبح خطوطاً حمراء هي “القضبان الحقيقية لسجننا الكبير”.

الأبيض الساحر

“الكلام الابيض هو الذي يشع حتى آخر الليل”، هذه العبارة التي تتقدم النصف الثاني من كتابه (الرؤى) ليست سوى اختصار مكثف جداً لرموز كثيرة يتوفر عليها اللون الأبيض الذي يندرج في الكلمات. والأبيض في واحد من مستوياته الدلالية هو نقيض الأسود/ الليل. واذا كان الأبيض معادلا فنياً للتفاؤل والفعل والأمل والعطاء والحرية فإن الأسود هو المعادل الفني لنقائض هذه القيم أي التشاؤم والعدمية وغياب الحقوق والتراجع الحضاري والنضوب الثقافي وغيرها مما يمكن أن يكون ليلا طويلا وممتداً، وفي هذه الحال تبرز أهمية الكلام، لكن أي كلام؟ إنه الكلام الحقيقي الزاخر بالحكمة الممتلك لشرط البقاء والقدرة على مقارعة الليل، وبالتالي الإشعاع.

وفي الأبيض أيضاً: يقترب الشاعر من البياض في الورقة لتبدأ معه لحظة المحو.. محو العدم الأبيض وميلاد نقيضه في حياة تبدأ بالحرف وتنتهي بالنقطة. واليد التي تعطي بيضاء، وهي أشرف يد. والشمعة البيضاء رمز النور الصافي النقي وصاحبها يصبح قديسا. والعشاق ملائكة يسبحون في ضباب وردي وأبيض. وحصان الشاعر هو الكلام الأبيض النقي. والسحر الأبيض هو اقوى انواع السحر، وقادر على ان يبدد كل غشاوة ويدخلنا في النور، وهو في الابتسامة والمحبة والتسامح وفعل الخير والقلب الطاهر.

في الأبيض: قال عادل خزام الكثير من الكلام الأبيض، وكدت اصدق لولا أن (سواد) النكبة الذي يعمر قلوب الفلسطينيين هذه الأيام شديد الى الحد الذي لا يفلح في التخفيف منه أي بياض.. لكن للحق، بعيداً عن أوجاع الأوطان المرمية على مرمى البصر وأمام الشاشات في فلسطين والعراق والصومال.. وبعيداً عن نكبات الجوع والفقر المفضي الى الموت، يصح القول أن هذه النصوص أجمل علاج للكراهية وأنفع ما يصنع للمرء نهاراً من الحب الخالص.

يقول عادل خزام: “في السحر الأبيض ينبغي أيضاً أن يكون كلامنا أبيض وخالياً من الدسيسة والنميمة والغمز واللمز، وبهذه الممارسات نسعى لكي نصبح كائنات بيضاء، وعندها لن تستطيع جميع انواع السحر في العالم أن تؤثر بنا. نحتاج الى ثقافة بيضاء جديدة في علاقتنا مع الحياة، ومع الآخرين ومع أنفسنا”.

وليس لديَّ ما أقول له سوى: قلبك أبيض.

No comments:

Post a Comment