Monday, June 18, 2012

عادل خزام يراهن على اللغة في مختبره الشعري


في ديوانه "الوريث" 
عادل خزام يراهن على اللغة في مختبره الشعري

 آخر تحديث:السبت ,11/12/2010 


إبراهيم اليوسف 
جريدة الخليج 
 1/1
يعتبر ديوان “الوريث” للشاعر عادل خزام، وهو الثاني في سلسلة نتاجاته الإبداعية، بعد باكورته الأولى” تحت لساني”،1993 أحد الإبداعات الجديدة التي تسهم في تكوين الملامح الشعرية الإماراتية، يتضمن الديوان أربعة نصوص مختلفة تقنياً، حيث إن بعضها أقرب إلى عالم قصيدة الومضة، من حيث الشريط اللغوي الذي تحتله، وبعضها الآخر ينتمي إلى النص المفتوح، بل هناك من بينها ما يجمع بين كلتا الحالتين.


يفتتح الشاعر ديوانه بمفتاح عنوانه بتقول الحكمة:
“لا وجه لي
 في المرآة يمحوني حضوري
لا الحكيم عرفني
ولا العالم شرب من غيمتي
خرجت من الحرف لأنه ثوبي البالي” .

تأتي قصيدة “الوريث” التي وسم بها الشاعر الديوان، واتخذها في أول ديوانه كنص مفتوح . يشكل تحولاً واضحاً في مسار تجربته الشعرية التي استهلها في ديوانه الأول، وإن كان سيلجأ ضمن هذا النص المفتوح نفسه إلى تقنية النص البرقي وهو في إطار رسم ملامح صوته الخاص:

“الوريث
أبو النبوءة وقنصل المشككين
يخرج من جلده ويعبر
تاركاً خراب العافية لأمهات الملأ
ولاهياً” .


ينمو النص من الداخل، ونتعرف إلى ملامح هذا الوريث، عبر استخدام بعض تقنيات القص، بالإضافة إلى ما تستحضره المفردة من ظلال قديمة لها، عالقة في الذاكرة الجمعية، ولتبدر إلى المخيلة صور وحالات شتى لكائن يظهر بديلاً عن سواه الذي اختفى، إلا أن هذه الملامح المشار إليها تخلو من التفاصيل الصغيرة التي دأبت القصيدة البرقية على تقدمها، يقول في إحدى مقاطع القصيدة:

“خذلوه ولبوه، وأصواتهم التي نسيت في الإشارة من الرسائل، ولم يبلل قلوبهم البعيدة، ولأن زمانهم مشهود تطهروا ومروا، لا يحرثون بشراً إلا بنسله، ولا يحيون سوى عمر كان له”:

إلى أن يقول:

“ والوريث
يركل من يرى
 ويظن كما يليق
لأنه بارد والنار بيضاء، لأنه جهة منها البلاد، لأنه وزن من الأعلى ولأنه فراغ في اتساع العين” .


يؤكد الشاعر، هنا، كما في القصيدة -كاملة- اشتغاله على اللغة، وحرثه أرضها البوار من الداخل، من خلال صياغة جديدة، تختلف عما هو سائد، لنكون أمام مفردات يكاد المتلقي يلتقط ما ترمي إليه لولا تماهيها في سياقاتها الجديدة:
“قل لسانا، خاطب الدليل وعد بوعد أو نصر . الأعياد المنهوبة من أجل عبورك لا تتسع لنا والصفات “قصدك” كانت أحلامنا، سلالمنا، وأفراحنا البيضاء” .

والمتلقي الذي دأب على أن اللسان هو القائل، يغدو أمام لسان “مقول”، ضمن خطاب يوجهه الشاعر إلى بطله- في صيغة الغائب- طوراً والمخاطب طوراً آخر، مادام أن الأحلام كانت معقودة عليه في نصر يشبه الخسارة:
“ربيناك حتى نعود ملاذنا، سهوتنا التي انطفأت في الضوء وغادرتنا، ليل عمرنا ونهار أحلامنا وعزنا المستحب، تاج من الضوء على الرؤوس أو فضة ننثرها أمام البصر” .
إذا كانت اللغة تنحاز في النص إلى اللامعنى، وهي في إهاب تقديم المعنى، فإن هذا ما يترتب على الصورة نفسها، حيث نكون أمام صورة الصورة، أو ظل الصورة، التي تكاد لا تذكر بأرومتها الأولى، بل إنها تكاد تكون مأخوذة من لبنات زئبقية لا يمكن الإمساك بها، قبل مضيها في شريطها البارق الذي لا يترك أي أثر يمكن الاحتكام إليه:
“لاهياً، وضروعنا المشروبة لم تجف، لاهياً وأسبوع النار لم يبدأ، لأن الكفاف لم يترك لأيدينا مصباحاً، ولأن غيومك لم تنقشع” .


“أمام أصواتنا
لاهياً
مثل خرابة
 ومثل الكآبة حين تؤخذ لليلة عرس

بثلاث عربات
قادوه قسراً وضمنوا صواب بوصلته” .


لا بد أن المتلقي سوف يتيه، أنى أراد هنا أن يقرن بين أثر الصورة التي يومىء بها شريط المفردات والأصل الذي ترمي إليه، لأن المطابقة تكاد تصبح أحد أشكال العدم في سياق مخاطبة الوجود، وإن كانت مفردات مثل: الضروع، الأسبوع، النار، الكفاف، المصباح، الغيوم والأصوات، لها إحالاتها الخاصة، بعيداً عن استخداماتها الجديدة التي أشير إليها .
وإذا كان المتلقي قد تعرف إلى ضميري الغائب والمخاطب، كمفردين، كل على حدة، وهو يتقرى روح الوريث، إلا أنه يكون في الوقت نفسه أمام جماعة غائبين أو متكلمين كخيوط واهية، تمسرح النص، وتمنحه هارمونية تؤسس شبكة هيكله، من دون التعرف إلى هوية أحد من هؤلاء، سوى الوريث الذي يشرح اللامعنى-المشار إليه- بلا معان متتالية:

“أدمنوه
وحاكموا مزاجه مع العصور
باليد اليسرى يقودهم
وبأفكاره البيضاء في الليل ينقلبون
حالمين ورحلاً
مبهورين، والضوء ملك لغيرهم
 ومجرورين” .


ثمة طقس من الدهشة تخلقه العلاقات الجديدة بين المفردات، لنكون أمام عالم مواز، يكاد لا يعلق بالذاكرة من دون ان يتكلف في اللجوء إلى المفردة:

بيدين فارغتين
ملأنا بيوتنا وأفكارنا
وبيدين كبيرتين طاردنا النسيان ورفعناه

إن سريلة الصور دفعت الشاعر لأن يستعين بالواقع في بعض الأحايين، يأخذ بعض ملامحه المتخيرة، بإمعان ودقة، وهو يرسم صورته، كما أن صورة الوريث تبدو بين بين، يتنازعها الواقع واللاواقع، لنكون أمام كائن من حقيقة ووهم، كائن نباتي أعمى، أيقوني ونبوئي، كائن من ماض وحاضر، يحمل رائحة الأب، ويقود زمام اللحظة صوب وريث آخر -كابن- لا يسميه، يسرد ديمومته، ويطارد العزلة إلى مظانها، وينحني في المرايا البعيدة:

“كنت أباً يطارد العزلة وهو أعمى،
وكنت النبات الذي ينحني في المرايا البعيدة،
 رأتنا عيونك وهربتنا،
لم تبتعد شفتاك عن الثغور في الظلمة،
 ولم تغسل الأسرار عناوينها إلا بين يديك” .


شغف
وإذا كان نص “الوريث” مكتوباً في عام ،1991 فإن نص “مكائد” كتب في عام 1995 الذي يتوزع إلى نصوص فرعية هي: الشغب، أبي وأمي، ركوع، البئر، الأصلع، الرمانة، كما في خلاط، السلحفاة تموت مقلوبة، قلت نفسي، أمام الببغاء وإن قلت .

تبدو هذه النصوص أقرب إلى النصوص المكتوبة بروح شاعر حكيم، بعيداً عن الشغف الملحمي الذي كان يهيمن على نص الوريث، حيث يظهر الشاعر مشغولاً بفلسفة الأشياء الدقيقة، كي نكون أمام صورة مبهرة تستعيد واقعيتها التي هادنتها من قبل :
“تهتدي النملة أخيراً إلى ثقب الإبرة . وتعبر منه مسحورة للعالم الآخر . تهتدي الإبرة أخيراً للوريد، ويهتدي سمها للقلب . ليتتبع الرجل الذي جاء بعقله الجبار وهو يتفتق عن إنجازات شتى، كي يغدو عيياً أمام مواجهة سبر الذات” .
 وقد يعتمد الشاعر على حوارية -كما في نص أبي وأمي- وهما يحدثانه عن الأبواب، ويتحولان إلى حمامتين، يراهما من سجنه . وقد يكثف الشاعر بعض النصوص كما في “ركوع” و”البئر” “أمام الببغاء” ليقدم صوراً مبهرة:
يعد نص “إله الوردة” أحد النصوص المفتوحة التي يركز خلالها الشاعر على المرئي، وهو يصوغ الوردة شعراً كي يتتبعها في رائحتها ولونها، كي تتحول الوردة إلى أبعد من رمز عادي:
بأم عيني أرى الأحمر يختفي في النار، وهي تسرد فصلاً عن الذهب،
 وأراه يظهر
في الجهة التي تقابل مطلع الضوء، وهو ينشق من فجر الوردة .

إذ لا يفتأ الشاعر يسرد سيرة هذه الوردة، يستوقفه لونها الأحمر الذي يعول عليه الكثير، داخل مكمن رمزيته، ما دامت الوردة قادرة على أن تجعله غصناً مباركاً كما يخيل إليه:

“كنت أسأل
وكان السؤال نصف حقيقة الوردة
أنا سادن الرائحة وعنفوان الطيب ونحلة الحب والوجد
أنا المنهوب من أشواكه وشيخ المحنطين من الظلم
أحب البراري الجرداء ونخلة العدو
ماذا أريد غير وردة تجلس في يدي لأصير غصناً
مباركاً
غصناً أحمر من شدة قلبي”

كما أن نص “بيدك لا بيد الوردة” يقسم إلى نصوص عدة مضغوطة هي: أيوب، كمال، ربما، عصاي، الفتاة، على كرسي العدل، الكذاب، في استقبال صديق، يتحدثون، يكتب . .يكذب، امرأة البلور، وأنت تحدقين، المرأة آخر من تغمض، كل قلوبنا، عاشقان، لعبة الموتى والأحياء، أنا، حين أكتب، أغنية الراعي، قوة الانحطاط- الكرّاه، وجهك حافة حنان، أثناء الحرب وخروج .

تكاد هذه النصوص تصلح لتكون يوميات للشاعر، لما فيها من استخدام لضمير المتكلم -كما في النصوص الثلاثة الأخرى- في صيغة المفرد، أو الجمع، أو الغائب بما يؤكد حضوره وقربه، وتناوله من الداخل:

“مستبشراً
تيقظ أن الحزن طاقة الروح الأخيرة
وصار يعرف
أين يختبىء الماء في جفاف قلبه
وحين دخل عليهم
كان واحداً والأشياء واحدة والله واحد
من لعبة المكان المفتوح، اخترع لنفسه عمراً
وها هو مثلي على عتبة
لا يدخل ولا يخرج” .

ثمة بطل تتبعه الكاميرا، لتقدمه للمتلقي في لقطات مختلفة، بعيداً، قريباً، قوياً،عملاقاً، أو منكسراً، ومهزوماً، رقيقاً، أو حالماً، هشاً أوحشياً، ليتم استكمال ملامح أسطرته ضمن كل هذه المتناقضات:

مات السبب
سير الهواء والحياة وتلاعب الموت في الشطرنج
ماذا ستجني
إذا عرفت من الرمل سوى القبر؟
من يؤيدك لو مددت عنقك غير السيف
 الوحشة ألا ترى ما تراه
وأن تئنّ من انعتاق الروح
مهرولاً من اليمين إلى ما سواه
 ومتحجراً من الوقوف طويلاً على باب الحكمة
تدق وتصرخ
ناطقاً بقلم الألم
مسفوكاً مع حبر الدم

إنها الروح الشاعرة هنا، تحت موشور الوقت، يقول ما لا يراه سواه، وهو يتناول قضايا جد كبيرة إلى جانب قضايا جد صغيرة:
بيدك، لا بيد الأعمى
نقشت على حائط الوجود أسماء
لا تعبأ بالمارة وهم يحدثونك في كل مرة
 عن مغامراتهم في الذهاب والإياب
ها أنت تمسك الخيط وتحاول أن تكتب
ربما بكلمة
تضيء عدماً وتعيد خلقه


ملامح بطله الأسطوري تتضح كثيراً، فهو يقود لحظته المشار إليها، وإن كان قريباً من المارة يسمع ما يقولونه في كل آن، كما أنه لا يزال مصراً على قيادة دفة حبره، لتتوزع بوصلته بين الولادة والموت، وهو المدى الأوسع في عين أية رؤيا، كي تكون الكتابة هي كل ما يبقى من الإنسان:
في التيه الذي ينفتح أمام عينيك
في التيه الواضح جداً مثل برق تكسر في مرآة
لن ترى الدخان وهو يصعد من رأسك
والشرود حين يقفز من سرحتك الأبدية هذه
لأنك فقط
تجهل الأسماء كما تجهل أصحابها
وتعرف البداية من ذيلها الطويل
تمسح الفراغ بيد مليئة وتظن
أن الذي يكذب مثل الذي يكتب اسماً على قبر
كلاهما يموتان
 والاسم يبقى

تبدو مهارة الشاعر خزام في تمكنه من كتابة نص ذي تقنية عالية، من دون أن يكرر نفسه، عبر أنموذج واحد، يهيمن على الشكل الفني لديه، وذلك ناجم عن فهمه الدقيق لجوهر الحداثة، لذلك فإننا نجد الشاعر يقدم لنا قصيدة رؤيوية، من خلال انصرافه عن مفهوم المعنى، إلى التفكير بظل الظل، من خلال لغة خاصة، تشكل معجمه اللغوي، يرهنها لتكون أداة مختبره الشعري، من دون استعراض شكلي لها، وذلك بعكس بعض الحداثيين ممن يرون أن اللغة هي الشعر نفسه، ما يدفعهم إلى الإسراف في الاشتغال عليها، ناهيك عن أنه يرصد عوالم جديدة تكاد تكون غير متناولة من قبل، ما يجعل نصه لا يتقاطع مع السائد البتة .
على ضوء ما سبق، نجد أن ديوان “الوريث” الذي يشكل إحدى العلامات البارزة -والمضيئة- في قصيدة النثر الإماراتية، استطاع أن يوجد لها مكانها الخاص في الشعرية الإماراتية والخليجية والعربية على حد سواء، نظراً لتمكن الشاعر من أدوات قصيدته الجديدة، وذلك من منظور حداثي، بل ليقدم قصيدة تحاول أن تكون صدى روح الشاعر، ورؤاه .

من هنا، فإن ديوان “الوريث” يعد أحد التجارب الشعرية الأصيلة التي لا يمكن تجاوزها البتة، أثناء تناول الشعر الإماراتي الجديد، لأنه يؤسس لقصيدة جديدة بحق .
وثمة اشتغال واضح من قبل الشاعر على عنصر الدهشة، الذي يكاد يسم النص النثري الإماراتي برمته، وإن كان الشاعر لا يتكلف في ذلك، لتأتي هذه الدهشة في إهاب عفوي، ويظل النص من خلالها محافظاً على ذلك الخيط الذي يربط المتلقي به، بل يشده إليه، سواء أكان ذلك من خلال الصور التي يشكلها من دون أن تتناسخ مع صور سواه، أو من خلال التقطيع السينمائي، أو الاستفادة من ملامح سريعة لفنون إبداعية أخرى، ولاسيما في النص المفتوح لديه.

No comments:

Post a Comment