Friday, June 22, 2012

اعتصام



يعتصم العاشق بالوردة، محتمياً بالجمال ضد القسوة والعنف والنبذ. ولا يهم أن أدمته أشواكها الصغيرة لأن التضحية بالدم يجب أن تكون لأجل الأشياء العظيمة في الحياة، وليس هناك أعظم من أن نسكن في الروعة الدائمة التي تفوح من الورد، وأن نتخذ من العبق الأخاذ حصانة ضد رياح الخوف والغدر عندما ترتفع فجأة وتدور في أفق وجودنا فلا نعرف الى أي ناحية نميل وفي أي اتجاه درب خلاصنا الحقيقي. وبينما يعتصم كثيرون بالعصا وبالسكين وبالكذب سعياً للنجاة من الظلام، فإن العاشق قد يموت محتضناً وردة الخلاص، سعيداً بانتماء قلبه الى الجمال المحض منتمياً الى نشيد الطبيعة التي تمنح وتعطي وتغفر مهما ثارت حولها البراكين أو تجرأت المياه على اكتساح اليابسة لتطهيرها.

يعتصم الشاعر الحقيقي بالقلم، ويقود ثوراته ضد الكلام المريض والمتكلس في القلوب والأفواه المغلقة. وفي ليل الخوف والارتباك تصبح كل كلمة بحاجة الى تطهير في المعنى، وهذا لا يتم الا بقلم الشاعر، الذي ينفخ في عروق الحروف ويغير من أثرها في الناس، وبدلا من التعبير عن فكرة الانتقام الأعمى بأنها (النصر)، يكتب الشاعر كلمة (الحب) ويقبل بوهم الهزيمة. وحين يفتش الأميون بين أوراقه، لن يجدوا عبارات ثائرة وشعارات تصلح للاستهلاك المؤقت، إنما مجرد سطور تحتفي بالحياة في شكلها البسيط القائم على المسامحة وعشق الانفلات من كل القيود المفروضة التي تمنع انتشاء القلب وانحيازه الى فعل الحرية البسيط الذي يجعل الإنسان يحب ويحب الى أن يتطهر من كل الظلام والخوف.

يعتصم الحكيم بالصمت، ويختار أن لا يبوح بعلمه لأحد الى أن يموت. وفي الكهوف البعيدة تتكشف الرؤيا السرية لأصل الحياة ومنطق دوران الأيام ومعناها أمام الحكيم المنزوي في عزلة النعيم، وعندها يدرك أن البشر يصنفون وفقاً لاعتصامهم بالأشياء والمعاني، فالبعض يختار الاعتصام بكرسي الوظيفة ويصير عبداً له ويظل يقاتل في سبيل اعتلاء منصاته حتى لو كلفه ذلك موت ضميره الحي، وآخر يعتصم بالخوف مستلذاً بالارتجاف في زوايا روحه الى أن يتحول الى صنم جبان، وثالث ممن لا يهاب شيئاً يختار أن يعتصم بحبل الايمان العميق والصدق فلا يعود أحد يكسر عوده مهما تكالبت عليه الأيادي المرفوعة بخناجر الغدر.

كان البشر ومنذ الأزل يرتحلون في الدروب البكر بحثاً عن المعرفة، والفائز ليس من يصل أولا، إنما من يعرف كيف يستمر في تجاوز عثرات الدروب والبقاء محافظاً على رغبة الاكتشاف متوقدة حتى آخر نفس، ذلك لأن المعرفة لا يحدها بحر ولا تنتهي بها يابسة ودروبها تظل تتفتح وتنشق كلما ضرب الإنسان بعصى الإرادة ليتفجر النبع من بين صخرها الصلد لترتوي من زلاله بعد ذلك البشرية كلها.

No comments:

Post a Comment