Tuesday, June 26, 2012

ثـورة الصدق


ما يحتاجه الناس حقاً هو ثورة الصدق، اغتسال جماعي في بحر الوضوح للتخلص من طحالب التاريخ التي التصقت في الأجساد والعقول الى درجة أنهم إن أرادوا التخلص منها فإن عليهم تغيير جلودهم بالكامل. والوصول الى حالة الصدق العظيمة، مع الآخرين ومع النفس هو الانتصار الأعظم للإنسان على كل ما يعيقه. الفلاسفة والحكماء الذين ذهبوا بعيداً للانزواء في الكهوف، إنما كانوا يفتشون عن مرآة الصدق مع أنفسهم، ولكن هل عثر عليها أحد. بالتأكيد لا، ولكن من يعثر عليها يصبح نبياً تصدقه الناس على مر العصور. ما نريده هو أن يصبح الناس جميعا أنبياء يحملون رسالة الصدق، أن تعود أرواحهم نقية كما كانت قبل أن تتلوث بالكلام المزّيف وأخبار التضليل وايهامات المراوغة والكذب التي انتشرت في فضاء العالم واختلطت في الزاد وتسربت للدم والمصافحة وأيضاً في كلام الحب.

ما يحتاجه الناس حقاً هو الاستمرار في الصدق مهما كلف الأمر، عندما يأتي المتحمسون رافعين الشعار الأبيض هاتفين باسم النقاء ويصدقهم الناس ويتبعهم الحالمون بالمستقبل الأبيض، لكن بعد أن يتجاوز الجمع التلة الأولى وتنزاح من الطريق صخرة الأمس، تكون الرايات قد تلطخت ببقع الطمع، والكلمات تبدأ بالتدريج انسحابها من الأفواه وتحل مكانها كلمات نقيضة. ثم النفوس تبدأ بالبوح عكس ما تبطن، ثم يكتشف الجميع أنهم كانوا يسيرون الى الوراء مخدوعين بالمرايا الكاذبة.

الشاعر إن أراد أن يكتب بصدق، عليه أن يكذب بصدق. تنبع رؤاه من مكمن غامض وتتشظى كلماته في اتجاهات شتى لترسم ظلال الحقيقة أو شكلها الذي يختفي ويظهر في اختلاط الأشياء والبشر. والقصيدة الصادقة هي التي لا تكشف عن معناها لأحد، لكن تيارها السري يسري في بدن من يقرأها ويختلط بالحدس العميق للإنسان وعندها يتحول القارئ نفسه الى مبدع جديد لأنه يحمل القصيدة في وجدانه ويسمعها أو يقولها في صمته.

أما الحكيم فهو يدرك أن المشي في طريق الصدق معناه السير الى حتفك لا محالة، قليلون فقط نجوا وهم يعبرون هذا الدرب غير مكترثين بالمتربصين الذين يرمون الأحجار والأشواك على رأس كل من يرغب في التخلص من عواهن ذاته. حتى الصمت أحياناً لا يكون صادقاً. الجدران التي يراها الآخرون جامدة ومحايدة هي بالنسبة للحكيم منحازة، وبعضها كاذب، وبعضها يعزل خطوة الحقيقة ويمنعها من الوصول الى الأرض الحرة.

الصدق اقتراب من النبع الأول لذواتنا الأولى التي ولدت نقية صافية يتدفق ماؤها من نعيم الخلق، ولكن المجرى الذي تسلكه بعد ذلك يظل يتعرج عابراً بين الأوحال والصخور الصلدة والجروف التي هي الظروف، فلا نعرف كيف نعود كما كنا، ولا نعرف كيف نصير ما نريد.

يوما..

عندما كنت صادقاً

لم أر وجهي في المرآة

 

No comments:

Post a Comment