Friday, June 29, 2012

قمر الكلمة





يقبّل الشمس لأنها كلمة النور العظيم، ويرحل تسبقه ظلاله نحو الينابيع البعيدة بحثاً عن كنوز الحرف وماسة المعنى وزمرد الكلمات. وفي الطريق إلى مبتغاه، يتعثر الشاعر بحواجز العقول المتحجرة التي تصنّم أصحابها على بوابات اللغة مانعين الخيال من الدخول، ممسكين بأيديهم الغليظة قواميس الأمس، وعلى ألسنتهم ألف كلمة (لا). لكن الشاعر ممسكاً بيده الحرة قلم اليوم، يخط في الهواء أسماء جديدة ويرسم سماوات مفتوحة يدخل منها المستقبل مشرقاً بشمسه العظيمة التي تشبه وجه امرأة ينتظرها المحروم، ويتوق إلى الاغتسال بنورها المقيدون في سجن الفكرة، أولئك الذين حاصرتهم العصي كي لا تبوح قلوبهم بمكنونها الحر، الذين في فصول الطاعة الطويلة كان الرسوب نصيبهم. وسيعرف هؤلاء أن الحرية تبدأ أولاً بالكلمة لأنها اللكمة التي يسددها الجبان إلى خوفه وهو يقفز من حفرة الموت لمعانقة الحياة.

يقبّل القمر لأنه يتغير كل ليلة، غير مكترث بالثبات لأنه صفة للجماد، يكسر الشاعر غصناً يابساً من شجرة الرحيل ويكتب على الرمل أولى قصائده في العشق ممتدحاً البدر لحظة سطوعه الساحر على العتمة التي تنقلب إلى فضة منثورة فوق التلال في صحراء الأمل، ثم يحتار في وصف الغموض الذي يصير ثوباً يزيّن عرس القصيدة وهي تزف إلى قصر المعاني مختالة بفستانها المرصع بالحرف والرمز والنجمة التي تتراقص كلما انعكست الابتسامة في مرايا الليل، او تأوه العاشق شاعراً بالمسافة قيداً، وبالأسوار مدى.

يعانق الهواء والبحر منصتاً لزئير الموج في غضب المد، الشاعر الذي علمته الحياة أن الوقوف هو الغرق الحقيقي، وان الركض في دروب الشوك هو الطريق إلى الخلاص من الندم العظيم. كل قصيدة يجب أن تكتب من حبر القلب وإلا سوف يجرفها الجفاف، كل صورة للمعنى ينبغي أن تتركب من قطع الخيال الحر والا تبخرت عند انقشاع الزيف وقت انبلاج الحقيقة.

تهب الريح أولاً من جهة التغيير ولا يشعر بها إلا من زرعوا النبض في الكلمة وخاطوا أشرعتهم العالية بالعزيمة وقوة الصبر. وبعد الريح، تبدأ الموجة بالارتفاع الى ان يراها الخائفون وقد فاتهم الفوت وهي تنزل فوق رؤوسهم لتكنس الغبار الذي تراكم في المزامير، الغبار الذي يحشرج صوت النداء الى جعل الحياة اغنية مسموعة. وفي هذه الاغنية يكون الشاعر في الصف الاول دائما، فاتحا ذراعيه مثل مايسترو عتيق وهو يعانق اللحن المتدفق من قلب الطبيعة حين تستعيد توازنها في لحظة اكتمال قمر الكلمة.

لاهيا ساخرا وهو يخرج من السطر الأخير للنص الذي لا ينتهي، يقف الشاعر ملتفتا للمرة الأولى للوراء ولا يرى سوى جبل البداية وقد ارتفع سنامه قليلا. عندها سوف يدرك ان الرحيل نحو الضوء يحتاج الى تطهير كل الكلمات لتكون بيضاء خالية من رجفة التردد او الخوف، وان اكتمال الاغنية يحتاج الى ان تكون الحناجر كلها متحدة في صوت واحد.

الحرف ينزف ان قلناه معكوسا

والصمت، كل الصمت، كلام

والشاعر بينهما يحتار

ما بين القبلة او الخصام


No comments:

Post a Comment