Sunday, June 24, 2012

الذكريات


نذهب إلى الذكريات لأنها بيتنا الاول الذي تسكن فيه روحنا النقية الاولى قبل ان تتلهى بها الظروف وتجرها السنين الى الضياع في منافذ شتى. ولو قدر للبشر الاختيار ما بين طعم الحياة في الذكريات المبكرة، وما بين فاكهة الحاضر او المستقبل، لاحتار اكثرهم هل ينحاز الى ما خبره وعاشه، ام ينتظر ما سيأتي. لكن الحقيقة ان البشر يذهبون الى المستقبل متزودين بالذكريات التي تحصنهم من السقوط في الحفرة نفسها، وقد يتخذ البعض ذكرياته قارب النجاة الذي كلما واجهته الحياة بمصاعبها وتياراتها المتقلبة، فانه يقفز فيه ويبحر الى الاماكن التي يستلذ بالعيش فيها.

وبالنسبة للمغامر والمتحفز، فان الذكريات والتجارب التي نمر بها انما تحمل فرصة لنا للارتقاء والتغلب على الخوف الذي ينام ويختبئ على شكل قيد او حجر ويعيق تطورنا اذا نحن استسلمنا له. وقد تجد من يقدم عشرات الاعذار لعدم قدرته على فعل الاشياء التي يحبها، لكن الحقيقة انها مجرد اسباب مصطنعة لعدم مواجهة الخوف الذي خبرناه وصار ينام في ذاكرتنا، وهذا النوع من الناس قد يذهب الى ابتكار او اجتذاب المرض لنفسه بدلا من المواجهة، بينما غيره يرون العوائق مجرد موجة قد ترتفع احيانا، لكنها تهبط لا محالة وقد تتفتت الى زبد ناعم حين تصطدم بصخرة الارادة. والذكريات هي ما يحمل خبرتنا الوجودية ويراكمها، وهي التي تحتفظ بمخزن المعاني التي اكتسبناها ونكتسبها يوميا في رحلة النضج او البحث عنه.

دخل الشاعر يوما الى غرفة الذاكرة وراح يصف العذاب والفرح وتقلبات الانسان كل لحظة حين تجرفه الرياح الى السقوط في اللذة ثم تغريه العتمة على الوقوع في الالم. وتراءى للشاعر ان وجه الحياة يتغير باستمرار. يلتقي اثنان ويحدقان في الشمس، هذا يسميها النار والاخر يلقبها بالنور. ثم يقتتلان ويضيع المعنى بينهما عند هبوط الليل. لكن الشاعر وان توغل في فكرة وصف الاشياء، يكتشف لاحقا ان الاوصاف نفسها لا تدوم لشيء، والحقيقة التي يخلص اليها بعد ذلك هي ان المعنى نفسه له الف وجه، وان شئنا رؤيتهم جميعا علينا اولا التخلي عن اطلاق الاحكام النافذة ابدا، فما نراه اليوم يتغير غدا، والذاكرة نفسها اذا لم نذهب الى تجديد سطورها وتغذيتها بالجديد تتحول الى جدار يمنعنا من رؤية هذا المتغير، وقد تقودنا الى العمى الفكري والروحي.

يعتقد البعض ان الابقاء على الذاكرة حية يتمثل في المحافظة على مقولة الماضي، لكن ما يجعل كل الذكريات تعيش وتدوم هو الفعل الذي نمارسه الان وفي المستقبل، في تجديد القول والنظر الى الشمس من زاوية مختلفة كلما اشرقت في يوم جديد. وعندما يذهب الشاعر الى وصف الشمس بانها (زهرة الامل) مثلا، فانه يضيئ غرف الذاكرة بمصباح لم يشعله احد من قبل.

طائر الذكريات يحلق فوق المياه بلا عطش

يحاول الارتفاع الى الشمس.. وقد يصل

لكن ظله سيبقى ثابتا ابديا على الارض

No comments:

Post a Comment