Friday, June 15, 2012

ثلاثة شـعراء




الشاعر الأول: 
يمتطي الشاعر صهوة الريح ويطلق لجناحيه العنان للخوض في مراتع الخيال التي لم يطأها احد، مختالا ومزهوا بملابس العراء، يستلقي على سرير الغيم، ممسكا قلمه البرق يحفر به في الهواء كلماته العذبة التي تسقط مطرا خفيفا على ارض الورقة وتروي المعاني الجافة، وتسقي العقول العطشانة في جهلها. ومن رص الحرف بالحرف يركّب بيوتا كثيرة لا تتهدم مهما طال بها الزمن. ومن ربط الكلمة بالكلمة ينحت صورا لا تتسع لروعتها العين. وحين يحمل علبة الوانه ويلوح بالفرشاة، تكتسي الصحراء بالاخضر، وتصير الحرية حمراء وهي تولد من جرح الدم، والبحر أملس في فضة الليل. والعالم الذي يمعن الشاعر في تكوينه، يجعل الهلال ارجوحة ينزلق عليها العشاق في عذاب انتظارهم الحلو، وتكون النجمة فصا في خاتم عرس لاثنين يحلمان الحلم نفسه ولكن يفصل بينهما نهر من حبر الشروط والواجبات. وقد يمر الليل على الشاعر وهو يمد عنقه عاليا في الاكوان البعيدة، بينما على الارض مجروحة قدميه الحافيتين، وقد يدخل عليه النهار وهو يحفر في تربة الفراغ بحثا عن كنز الوهم الذي اذا امتلكه شخص، اغناه عن كنوز الكون كلها. وساعتها لا يعود يعير اهتماما لاصل المعاني والشوارد والاشارات، وتكون اللغة في حضنه مجرد حبات من الرمل الناعم التي تتشابه كلها، لكن الشاعر وحده هو من يعيد تشكيلها بمهارة لبناء صروح لا يهزها هواء العواصف الفارغة.

الشاعر الثاني:

 يدخل الشاعر غرفة المرايا فيرى الاضداد تتشابه في شكلها الخارجي، لكن معناها في العمق هو ما يميز احدها عن الاخر. وحين يهم بعد ذلك في كتابة القصيدة، تتوجع يده وترتجف اوتار قلمه فيتحول البوح الى نوح يتصاعد الى درجة ان اي خطأ في حرف واحد قد يحيل النور الى نار والحب الى حرب والمال الى ملل. وحين يخرج الشاعر سريعا من هذه الغرفة تتمزق ثيابه باشواك الدهر المندسّة وراء الزهر، وتتشقّق تحته الارض وهي تتنشّق الفجر الذي اشرق للتو في الورقة بلا شمس وبلا امس. كل ضد في اللغة يقابله الف ضد شكلا، وكل ضد في المعنى يقابله جدار من المعاني المعصوبة والمغصوبة الى حد ارتفاع السكين في وجه المسكين. وما منقذ للناس سوى التشبّث بما يبثه الشعراء في ارتباكهم العلني امام لغز الحياة. في ساعة الكتابة تلك، التي حين تدق، يحق للكلمة ان لا تتكرر بان تتحرر من سجنها القديم في القواميس وتصير فراشة تتنقل بين السطور من غير ان يتغير معناها.

الشاعر الثالث: 

حاملا قلمه بالمقلوب يمحو، ويظنه الناس يكتب. والبياض الذي يخلّفه في اثر مروره، يصير دربا للقادمين من جهة السؤال. هذا هو الشاعر الذي لا يسمعه احد، لكن طنين صمته يظل مستمرا في كل نشيد حر.

No comments:

Post a Comment