Friday, June 15, 2012

تشـرد



تتشرد التماسيح كلما فاض النهر. يطردها التيار القوي من مكمنها لتتكشف في العراء، ويراها الحالمون المتوهمون الذين يظنون أن انسياب الماء على السطح سوف يدوم الى الأبد، متناسين أن البجعات تهاجر كلما اقتربت لحظة فوران القاع. والإوز ينأى بصغاره الى الأحراش مستشعراً لحظة ارتفاع الموجة الساكنة. ومن عادة النهر أنه يقرر في لحظة الاغتسال، ضاجاً من كثرة العابرين على جلده طيلة العام، ومن المندسين في قاعه ورمله وطينه، ولذلك يثور على نفسه في لحظة فيض، يزأر، وهو ينثر أحشاءه خارجاً، متطهراً من جعبته المكتظة بالأخلاط والهجنة. وفي الفيضان تظل التماسيح تبكي، تذرف الدموع، وهي تتقلب وتتلوى في المجرى العالي للماء، او وهي تتصادم رأساً برأس.

تتشرد الغيوم السوداء كلما هبّت الريح من جهة الشمس، تتفرق أولاً بعد انفكاك رابطها الوهمي، وتصير قطعاً صغيرة، ونثاراً، وبقايا رماد ودخان قديم. تهب عليها النسمة فتمحو لونها الفاحم، ثم تسحبها العاتيات في تيار دائري وتخرجها من سقف الدنيا، ثم تحاول أن تهرب ببقايا ثيابها، لكن قمم الجبال تجرحها، وتمزق قمصانها الى أن تسقط وراء البعيد ولا يأسف عليها أحد. والغمامة السوداء إلى زوال مهما اشتد إصرارها على المكوث. وهي إن أمطرت قليلاً، فإن غيثها لا يروي سوى الوحل، ولا يغتسل فيه سوى الطحلب الأعمى. ومن عادة الناس أنها تكره الليل إذا استمر طويلاً وتأخر طلوع الفجر، وتكره أن يضيق الأفق بلون واحد معتم، ولذلك تظل تتمنى مرور الريح القوية حتى لو اقتلعت الأشجار والأبواب، وحتى لو تكسرت أغصان مثمرة كثيرة.

تتشرد الكلمات في فم المجنون وتتصافق معنى بمعنى، ينادي الجلاد على ضحاياه باسم الحرية ويستبدل السياط بالورد، ولكن لا يصدقه أحد. ومن الدفاتر تخرج الأسماء المستعارة ويتقشر جلدها، ويتطاير ليكشف عن وجوه تهاب النظر الى انبلاج الشمس. وحين يغني المجنون، وهو يركض في عبث الطرقات المتعرجة، تطرب له قلوب الخائفين الذين سكتوا طويلاً بانتظار أن تتحرك ألسنتهم يوماً. وقد يدخل المجنون في المتاهة، وقد يدوس في النار منتشياً بلذة الألم الذي عندما يشتعل في الرأس، يصير فكرة حرة يحتار فيها العقل المقيد بأسلاك طويلة صدئة.

تتشرد الخطوات حين يموت دليلها، وقد لا تترك أثراً يدوم في الرمل الناعم، وقد تميع فوق طين المنزلقات. ومن عادة الخطوة أنها تنجذب الى الطريق السهل المفروش بالفراغ ولا يقود إلا الى الفراغ. والناس في خنوعهم العام إنما يمشون في طرق الطاعة يتبعون ظلهم كدليل. والظل لا يترك أثراً أينما مر، وقد يختفي في سدول الليل تاركاً أصحابه مقيدين في ظلام أنفسهم. لكن الشجعان، المنجذبين الى الضوء البعيد، لا تكفيهم الخطوة السهلة والمصير الرخو، فتراهم يلجأون الى القفزة العالية، والى إزاحة الفكرة أولاً من الرأس، وتفتيت الصخرة التي تسد نفق العبور الى الجمال، واعتلاء الموجة مهما كان ارتفاعها.

يتشرد الغريب في المدن البعيدة جسداً وخطوة

لكن روحه تعانق الأرض من كل الجهات

يرى وجه من يحبها في كل الصور

ولا يجد في كل المرايا

سوى وجها يتغير في كل بلاد.


No comments:

Post a Comment