Sunday, July 1, 2012

سيرك الحياة



وما الحياة سوى سيرك كبير، كل يوم يبدأ المهرجون بالدخول إلى مشهد الوجود مقنّعين، مصبوغة وجوههم بالفحم والدم، منكوشاً شعرهم، ومطلياً بألوان قزح مزيّفة. منهم الديكتاتور الذي يثير سخرية وضحك شعبه والعالم، لكنه بعد لحظات يبكيهم حين يغني لحن الموت مطلقا حشرجاته وزعيقه الكلبي ليصم آذان الجميع. ومن وراء المهرج يقفز القافزون المتأرجحون على حبال المصالح، مرة إلى جهة اليمين، حيث الفضيلة ثقل ينوء من يحمله على الظهر، ومرة جهة اليسار، حيث الحرية لعبة مجانية بلا حساب أو مسؤولية ورقصة خطرة في غير مكانها. وفي الحالتين يخسر المتأرجحون لا محالة. وفي مشهد التأرجح هذا لا يوجد من يقف ثابتا في المنتصف، ذاك الذي يختار عدم الانتماء إلى هذا أو ذاك وإنما إلى التوازن بينهما، وبالتالي يخلع قناعه وزيفه ويظهر بوجهه الحقيقي مواجها صعاب الحياة في حلوها ومرها.

في فقرة البهلوان، يدخل إلى الحلبة أولاً القافزون وسط دائرة النار، أولئك الذين يشعلون فتيل الحروب إلى أن يكبر هشيمها، ثم ينسلون وراء الدخان ضاحكين على المتناطحين من أبناء الشعب الواحد، والاخوة أبناء البطن الواحد. ومن عادة البهلوان أنه يتحدى الجاذبية بأن يقفز فوق قوانينها غير مكترث بالتوازن لأنه صفة المطمئنين، وغير معترف بالخوف من السقوط على الأرض الصلبة، ولذلك يظل يلعب متشقلباً من زاوية إلى أخرى، شابكاً الحبال ببعضها إلى أن يخسر الجميع وينتصر هو، ولكن وهما. ذلك لأن البهلوان حين تخور قواه، يسقط سقطته الأخيرة ولا يعود يقف بعدها أبداً.

وفي سيرك الحياة، هناك من يروض الوحوش في داخل ذاته فلا تعود تغريه الملذات الرخيصة أو الماديات، وهذا حين يقف وسط حلبة العرض، لا تحرقه النار الزائلة، ولا تغويه مسرّات العبط. أما البقية ممن ينتمون إلى غجر الطبيعة، فيغلبهم الطمع إلى حد الاقتتال على العظم، وقد لا يفرق احد بينهم وبين الضواري التي لم تروض بعد، ولكنها تنصاع بالسوط، وتنحني للعصي، وترضخ كلما ارتفعت يد الصلابة أمامها. والترويض صفة السيرك العظيم، عندما في كل صباح، يساق الأطفال والشباب إلى مدارس الطاعة ليتعلموا درس الخنوع والانحناء، ثم ليتخرجوا بعدها متفوقين جاهزين لرقصة القفص في وظائف الصبر والفراغ والمحسوبيات.

من أروع الفقرات في سيرك الحياة حين تدخل الحيوانات المروضة، الأسود والنمور التي أصبحت قططا وديعة، والفيلة العملاقة التي صارت تخاف من ظلها الصغير، والتماسيح التي طالما صالت وجالت في الأنهار البعيدة، ثم جار عليها الزمان لتصير كالتماثيل لا تقوى على التهام ما يحل على لسانها. وفي السيرك يكون القرد هو نجم الشباك الأول.

الطبيعة في شكلها المقلوب تسمى: السيرك

أنا وقلبي متفرجان على مرورك فوق اسمينا

نروض بعضنا بالحب

ونذوب كلما ارتفعت عاليا يد الوداع..

No comments:

Post a Comment