Wednesday, July 11, 2012

الغرور


يندفع المغرور إلى التباهي بفراغه أمام صمت الحكماء، رافعاً أنف التعالي إلى مستوى النزول، ومستغيثاً بالصد في المصافحة والسلام. وحين يهم بالكلام تتطاير من فمه التأتأة وتصير الكلمات جوفاء من معانيها وشكلها. كل حرف يرتجف ويصبح حشواً داخل الحشو، وكل صلابة تذوب في ميوعة الإصرار على نكران الجمال والاعتزاز بضده. والغرور هو باب القسوة وعنوانها الناعم، وهو الحفرة التي تنتج الغمام الأسود، وهو أيضا مستنقع الندم.

في الحروب السوداء، التي هاج فيها الرماد، واستيقظت ورقصت داخلها النار، كان الغرور هو الشرارة التي سبقت اشتعال الفتيل في سكينة الورد. والبشر في دورانهم الأعمى داخل التاريخ الأصم لا يستوعبون دروس أنفسهم، فيظل الغرور يأتي ويذهب في رواق مسعاهم نحو الأمل، وكلما انتصب عمود من النور يتحول الغرور إلى أفعى تلتف حوله وتلدغه في جوهره الصافي لكي لا يستقيم له نقاء. هكذا ستظل تجاذبات الغرور تحاول ان تهزم قيم التواضع حتى ينخدع العالم بالمزيف والسطح والواجهة، بينما الأعماق التي تفور بالروعة لا يراها ولا يسمع عنها احد.

في مراحل السلام والأمن، يتسرب الغرور من الشقوق والشروخ، ويحاول أن يتلون في الكذب حتى يصير صدقاً. بعدها يتوجه الى التاريخ ويحاول تغييره ومسحه فلا يستطيع سوى دفنه في الرمل ولو مؤقتاً. وحين يرى الأشجار تحنو بظلالها الوارفة على النائمين في وداعة الحلم، يختار أن يهزها إلى أن تسقط الأعشاش وتهجر طيور السلم أوكارها. وقد يصدق الناس أن الغرور يلمع عند اشتداد الأمور فيختارونه مشعلاً لإنارة الطريق الطويل نحو الحب، لكن اللهب الذي يتغذى على عرق الضعيف لا يدوم طويلاً، والضوء إذا لم يكن نابعاً من القلب أولاً لن ينقذ العميان في ليل ارتحالهم نحو المتاهة.

في الطرقات اليومية، يتلون الغرور متخذاً مرة صفة المحب الذي يهوى أن نطارده في عذابات العشق إلى درجة أننا نعشق الغرور نفسه لأنه يضفي على من نحب ميزة إذلالنا. نحن الذين ندمن الانصياع، يصبح الغرور لنا مرايا نرى فيها قلوبنا، وهي تخفق تواقة للفوز بما نريد حتى لو كان ذلك على حساب كرامة لا نملكها. آه أيها الغرور الجميل، كم وصفوك في كتب الغزل حتى مجدوك فصرت قلادة على جيد النساء في الأساطير القديمة، وكحلاً في عيون الناعسات، ونحن أسرى لك.

بين الأصدقاء يتقلب الغرور بين سعد الأيام ومرها، فلا نعرف هل جرى في الدم سم التباهي بالكراسي والألقاب والأموال أم أنها الأيام تحفر تحت أرجلنا لكي لا تلتقي ظلالنا المتلاشية في رحلة العمر. والغرور حين يقطع الصداقة الجميلة بسيف الصدأ، لا تعود تورق أشجار الحنين وقد ينكسر غصنها إلى الأبد.

No comments:

Post a Comment