Tuesday, July 17, 2012

في الريح



نعيش ثقالا، ملتصقين دوما بأمنا الأرض التي تسحبنا بجاذبيتها العظمى لنظل في حضنها الى الابد، لا فرار من التراب الا للتراب، حتى عندما تحملنا الطائرات لساعات، فانها تعود لتهبط في النهاية لنتوزع بعدها في الدروب نمشي في اتجاهاتها الالف المتضادة كلها. ولا يوجد رفيق في كل الدروب الا الريح التي تحاصرنا من كل الاتجاهات وعلى هواها تقرر اما ان تلفحنا في الوجوه وتعيق تقدمنا بأعاصيرها واندفاعاتها المجنونة، واما ان تعيننا فتدفعنا من الخلف لكي نصل اسرع من الآخرين الى ما ينتظرنا وراء السهل والتل والجبل.

البشر في حياتنا يشبهون تقلبات الريح، نجدهم في كل مكان وكل زاوية، حتى عندما نعتزل الدنيا فانهم يطلون من الذكريات ويشاغبون لحظة وجودنا بأطيافهم. هناك بشر يعصفون بعقلك وسكونك الخاص لمجرد ان تلتقي بهم، فترى افواههم تزبد وترغي في الكلام الفارغ والتفاصيل التافهة ولا تملك امامهم سوى تحريك رأسك بالموافقة على كل ما يقولونه من غير اعتراض. وهناك آخرون يشبهون الريح الساكنة حيث مجالستهم تثير في النهاية الملل وينتهي الحوار معهم قبل ان يبدأ لانهم ساهون هائمون في واد آخر معظم الوقت.

هناك ايضا الانسان المغبرّ الذي تشعر عند مجالسته بانه خارج للتو من زوبعة صغيرة بسبب الفوضى في مظهره وتصرفاته وحديثه وسلوكه، وهناك الانسان المراوغ مثل الريح الدائرية التي لا يعرف احد من اين تبدأ والى اين اتجاهها، وهناك ايضا انسان الريح المتقلبة الذي يغير مواقفه كل لحظة ولا يثبت على رأي او حال. ثم بعدهم الانسان الذي يرفع اشرعة سفينته كلما هبّت رياح التغيير، فتراه ينحاز الى الفكرة الجميلة، والى جنون تجاوز العثرات، والى حب القفز فوق حواجز المستحيل مهما طال ارتفاعها. وهؤلاء هم من يصنعون التاريخ ويغيرون مجراه، وهم من يبنون جبال الحقيقة التي لا تهزها الريح.

تتشعب الرياح البشرية في حياتنا فتهب باردة احيانا من جهة الشمال، لكنها لا تخيف سوى الجبناء اسرى التدثر والانطواء، ولكن الحكيم يغلبها بالتقرب من النار الخفيفة والاحتماء بلهبها الحنون. ثم تهب الرياح حارة جافة من الجنوب، لكن الذكي يواجهها بصدر حار وهو على البحر محميا بالرطوبة محروسا بالمطر حتى لو كان رذاذا.

اي من الرياح ستكون انت، اذا كان يومك يبدأ بالعراك مع الهواء، مع النسمة اذ تهب ولا تثير فيك سوى الرغبة في ملاكمة المرآة. واي من الرياح ستكون انت، اذا بدأت يومك بالابتسامة والاحتفال بروعة الحياة، متناغما مثل النسيم تعبر بين قلوب الخلائق فتثير في وجدانهم الحنين الى الروعة، والى جعل المحبة تهب من كل الاتجاهات ليكتمل بها لحن العيد.

الريح تعصف بالاشجار وتقتلع الاغصان الرخوة

وانا ملتصق بانتظارك

بالعمود الذي ركيزته في القلب

في الجفاف وفي المطر

كل اغصاني مفتوحة للعناق.

No comments:

Post a Comment