Friday, July 20, 2012

تلويحة


كان يلوّح للغيمة كلما مرّت ويتوسلها ان تبكي لتروي عطش الورد..لكن الغيمة لا تبالي بالتوسلات وتتلذذ بترك نفسها منسابة لتأخذها الريح اينما كانت. تختار أحيانا ان تمطر فوق الوديان البعيدة والبكر ولا يرتوي من زلالها سوى الذئاب التي جفت حلوقها وهي تعوي منذ قرون على القمر، والأفاعي التي يبست في جحورها الشتوية بانتظار الشمس، والقنفذ الجبلي الذي يظن منذ بداية الخليقة ان أشواكه ستتحول في يوم ما إلى براعم مزهرة ويكون هو شجرة صغيرة في أعياد الحب.

كان يلّوح للسيارات ويترجاها ان تتوقف للحظة كي ترتاح المسافة من عذاب السرعة..لكن العربات لا تبالي بتلويح الواقفين على هامش الحياة، لأنها صنعت كي تظل تسير بركابها إلى الأبد..انها في ذهاب مستمر إلى ان يذبل الزمن تدريجيا وتكون لحظة التوقف هي لحظة الخلاص من المسافة، لحظة الثبات في المحطة التي لا يغادرها احد.

كان يلوّح للمرأة ويصرخ: خذيني برعما في مزهريات الأمل..مشطا تسرحين به جدائل الريح الساكنة.. قميصا ترتدينه في حفلات الصبر..اني أجوع إلى الحب ولا احد يروي عطشي سوى عينيك، وأنا فيهما دمعة حنين وشعاع أمل..خذيني توأما في مراجيح الطفولة.. فلقد ضاعت دفاتري في زحمة الركض ولا اعرف كيف غاب اسمي من سبورة الذكريات، ولم يبق لي سوى صفحة الرمل انقش عليها وجه من أحب وأظل أدور حوله لا مباليا لو تغيرت ملامحه في الريح او جرفته مياه النسيان بعيدا، لان الصور تزول وتختفي ولكن معناها يدوم إلى الأبد.

خذيني نتوضأ بنور المرايا التي احتفظت بصور الطفولة حية ونحن غادرناها مجبرين.. نركض في حياة لم تكن لنا..ثم ضاع اسمك في صور كثيرة وتشتتت ملامحي وأنا أفتش عنك في كتب الحكماء والمجانين ولم اعثر على كلمة (الحب). ثم ارتفعت الجدران عالية بيني وبين ظلك ولم يشأ لنا الزمان ان نعبر النهر معا.

معا..نداوي المسافة بالعناق..نفتح قلبينا كي تخرج الفراشات وتحترق تحت شمس الحرية. وبعدها تخرج الكلمات السوداء من الكتاب الأبيض، وتصبح القصيدة أكثر وضوحا في الليل. كل جبان يبدأ بالغناء ويصهل، كل سجين يصبح ريشة في جناح الرحيل..ولا يظل في مسرح العذاب سوى الصدى الذي يتكسر أمام صمت الحقيقة المطلق.

الحب شراع وكلانا سفينة نجاة لبعضنا

اتركي ساحل الخوف للجبناء..اقتلي هذا الضجر

اللانهاية تنادينا كي نبدأ اولا بالغناء

ان نطلق هذا النشيد الكوني كي تفهمنا الطبيعة

ثم يكتب الملاك اسمينا في المدى المطلق

ثم نذوب نذوب

وتصفق لنا الذرة

ويفتخر السديم بقدومنا صافيين

إلى نبعنا الأول.


No comments:

Post a Comment