Tuesday, August 28, 2012

اللغة الشعرية


 

الآلاف من الشعراء العرب يكتبون قصائدهم يومياً، لكن القلة فقط من يتميزون بلغة مختلفة في التركيب والتصوير والجنوح بالمفردة وتعويمها في مياه جديدة دائما. هؤلاء القلة هم من يلتفتون إلى فهم فلسفة اللغة الشعرية المراد لها أن تكون حرة ومتجددة وطليقة من أسر الرتابة والقواميس والجاهزية. حتى ان هؤلاء ونتيجة لبحثهم الدؤوب في كيفية تطوير اللغة يصبحون على الأغلب عرضة للتهميش والتجاهل والاتهامات بمحاولة تدمير الأساسات التقليدية الراسخة.
 
مهما قيل عن التجديد في الشعر إلا أن الفكرة الفلسفية التي يحاول المجددون تحويلها إلى واقع هي ان اللغة الشعرية لا تتبع في الأساس أي منطق خاص بعينه أو شروط ينبغي الالتزام بها، لأن الشعر هو فعل حرية في عمقه الأبعد وفعل خيال لا يحده مدى ولا يخضع لقانون، وبالتالي فإن اللغة الشعرية ينبغي أن تكون مفتوحة على التجريب وعلى الشاعر المبدع ان يذهب الى تفكيك الأساليب القديمة المتداولة والإتيان بغيرها لكي يبني معمار قصيدته التي تتوافق مع هذا الفهم الجديد لفلسفة اللغة.
 
على الرغم من سهولة وبساطة هذا الفهم، إلا أن الآلاف من المجربين يدخلون في متاهة وصعوبة الإمساك بزمام اللغة الشعرية فينزلق بعضهم إلى التسطيح الأعمى ويظل يفكك من غير أن يتحول لديه هذا التفكيك إلى بناء، فتجد الجملة الشعرية لديه هزيلة وبلا روح وخالية من لذة الكشف.
 
البعض يغرق في متاهة الغموض فتختلط لديه الرؤى في تراكيب غير مترابطة وصور تشط خارج الانساق وأحيانا لا يقبلها حتى الخيال، إلا أن الطامة الكبرى في النوع الثالث الذي يكتب بلغة آلية ميكانيكية لا يتدخل فيها الحس إلى درجة أن كل صورة وكل تركيب لغوي وكل جملة تتزاحم مثل أفكار نافرة غير مترابطة، ومثل هؤلاء تراهم ينتجون العشرات من المجموعات الشعرية التي تتشابه كلها في الفكرة ولا تحمل جديدا سوى التكرار الأعمى، حيث يندلق الكلام الآلي على الورقة لينشر الخدوش في الصفاء ويعكر ماء الخيال بالطحالب الميتة.
 
 القلة القليلة التي تدرك كيفية الكتابة بلغة جديدة راقية وملهمة تذهب إلى تصفية اللغة من الشوائب والاعتماد على الاختزال والتكثيف الحسي العالي. تقرأ أو تسمع شعر محمود درويش فيصيبك في القلب، بينما هناك المئات ممن يكتبون على انساق ما يكتبه درويش لا تجد في شعرهم شيئاً.
 
قد يذهلك سركون بولص بنصوصه النثرية المشغولة بإتقان الصانع الماهر، لكن المئات من كتبة نصوص النثر تغيب في لغتهم حرارة فعل الانزياح وتتحول كتاباتهم الى ترقيعات نثرية لا تتماسك ولا يشدها خيط الحس داخل المعنى الشعري.
 
 هؤلاء القلة، قد لا يفهمون كثيرا في فلسفة اللغة الشعرية، لكن قلوبهم تدرك ما وراء الفلسفة، وحين يكتبون يتدخل القلب في شحن الجملة الشعرية بمادة الحياة، ويتدخل أيضا الخيال لشحذ الصورة الشعرية من المكامن المجهولة التي لم يطأ أرضها أحد بعد.


 



No comments:

Post a Comment