Tuesday, August 28, 2012

حالات شاعر

 
 

 يجلس الشاعر على عتبة في طريق الصبر، ويحاول أن يكتب عن عذابات العابرين في دنيا تتلاطم أيامها مثل بوابة مهجورة في الريح، لكن ذاكرته النافرة دائماً تعجز عن تخيل معنى العبور. وتدريجياً تتحول القصيدة الى كلام عن غربة القمر في ليالي الشتاء الموحشة، وعن الوردة التي ذبلت قرب النبع ولم يلتفت لها العاشقان. آه قال الشاعر في نهاية المقطع. ثم أطلق تنهيدة جافة ووضع كلمة (ارتواء) عنواناً لقصيدته تلك.
ينزوي الشاعر في غرفة السكون، ويحاول أن يقلب كيان الورقة.. يمحو وضوحها الناصع بكلمات متنافرة ومتضادة، لكن الكلمات تتآخى في القصيدة وتتحول الى كائنات حية. وسطراً بعد سطر تتغير دلالات المعني فيصبح الحجر نجمة، والنهر وريداً في جبين الأرض، والنهايات دائرة مفتوحة داخلها سهم أعمى.

في كهف بعيد وراء الغابات النائمة في صمتها الصافي، يعتزل الشاعر ليكتب عن قسوة الضجيج في مدن تلوثها الأبواق ويكسوها الحديد. مدن يتشابه الناس فيها كما تتشابه المرايا. يلبس الرجل في الصباح قناع الوظيفة ويدخل مبنى المتناقضات. تخلع المرأة قفاز الأناقة لتلوح لأطفالها وهم يغادرون الى الطوابير الكثيرة وراء أسوار المدارس المحروسة بالنواطير وأبواب الحديد والأسلاك. وفي نهاية القصيدة يكتشف الشاعر أن الغابات بدأت تضجر من زئيره المر وصوت حشرجاته السامّة على الورقة.

مرتبكاً وهو يراقب مرور النساء في الأسواق، يجلس الشاعر في المقهى ويحاول أن يصف العيون التي تصيب سهامها في القلب. لكن يده تهتز حين يكتب جملته الغزلية، فتخرج باهتة بلا لون او كحل. كل النساء جميلات أمام الواجهات، لكنهن في القصيدة سبب كي يغص الشاعر بالمعنى ويكتم داخل روحه شغف الوحشة كمن يحدّق في الجنة من نافذة أسير.

وحيداً في خيمة العراء وسط صحراء الملل، يكتب الراعي بعصاه على الرمل أغنية الصيد ولحن الحصاد. انه يترنم بقوافي النسيم ويتسلى بأن يتبع ظله. الريح العاصفة تمر وتحمل غبار كلماته الى القرى البعيدة والواحات النائمة وراء التلال. وحين تهدأ العاصفة تعود الغزلان لترقص في الوادي وهي تدرك أن الثعلب يراقبها من بعيد. وقصيدة الراعي تتلاشى من على الرمل. ولا يبقى سوى الصدى في المدى يتردد وسط سراب زائل.

الشاعر الأعمى كان أبصرنا في الظلام. دخلنا معاً غرفة الماضي لنكنس من زواياها معاني العتاب والقسوة، لكن الركام المهمل في الحواشي والهوامش كان قد كبر الى حجم جبل. وجميعنا، بقوة الكلمات الصادقة حاولنا إزاحة الخطأ من التاريخ ولم نفلح. فيما الشاعر الأعمى ظل يغني حتى ابيضت له الأوراق وصفقت له الكتب الحزينة في مخازن المعرفة.

هو والحقيقة جالسان على رصيف مهمل. الشاعر الذي يراقب دوران الكلام في الأفواه، فيما المعاني الحقيقية تختبئ في الصمت الحنون على ورقة تتطاير في الريح ولا يطالها أحد.
 

No comments:

Post a Comment