Wednesday, August 29, 2012

الوعي الكوني



ينقسم البشر في فهمهم للحياة إلى ثلاثة أنواع رئيسية كل منهم يتصرف وفقا لمستوى الوعي لديه..
 
 أولهم المستوى الأدنى (وعي الأنا) حيث يرى صاحب هذا الوعي الوجود من منظور ضيق جدا، وبأنه منفصل عن الآخرين ولا علاقة له بهم إلا في الحدود الضيقة، حيث يرى نفسه أولاً، وان وجوده عبارة عن تنافس دائم مع بقية البشر وبالتالي ينحصر تفكيره في نفسه وما يملكه وما يفعله وما يظنه ويقوله الآخرون عنه. وهي قيم من المستوى الأرخص والأدنى ومثل هؤلاء تراهم ينغمسون في اللذة العابرة والحسد والرغبة المتأججة لامتلاك الأشياء الزائلة حيث ان تحقيق هذه الرغبات يمثل قمة وجوهر الهدف من الحياة لديهم.
 
 المستوى الثاني يقع في الدرجة المتوسطة وهو (الوعي الجماعي) الذي يهيمن على تفكير الغالبية العظمى من البشر. هنا يصبح الفرد منتسبا إلى وعي الجماعة وكأنه محصور داخل دائرة كاملة للمجتمع الذي ينتمي إليه ثقافيا ودينيا وأسريا وقبليا. ورغم توسع وضخامة هذا الوعي وتعدد مصادره التاريخية والحضارية إلا أن المنتمين إليه يظلون في الحدود الضيقة لمجتمعاتهم ولا يقبلون بالاختلاف أو بفهم الوعي الجماعي الآخر.
 
من هذا المستوى من الوعي نشأت الحروب الدينية والعرقية والجغرافية، ولا يزال العالم حتى الساعة ينزف من وراء تصادم الوعي الجماعي لفئة معينة بالوعي الجماعي للفئة الأخرى. نستطيع أن نلمس هذا الوعي العادي في الاختلافات الشكلية والسطحية الظاهرة بين البشر. أنا مسلم، أنا مسيحي، أنا إيطالي، أنا هندي.. وهكذا. وتكبر الاختلافات عندما يحدد كل فرد هويته بالكامل، أنا امرأة، أنا رجل، أنا كبير في السن وهكذا إلى ما لا نهاية من الفروق السطحية. وهذا معناه أن المنتسب إلى هذا المستوى من الوعي يرى نفسه لصيقا مع الجماعة لكنه منفصل عن الجماعات الأخرى وربما يصل به الأمر إلى قتلهم من اجل الفكرة التي تنصهر داخل عقله، بأنه على صواب دائما.
 
 المستوى الثالث الذي لا يعرفه ولم يصل إليه إلا القلة هو (الوعي الكوني) الأعلى. حيث يملك صاحب هذه الوعي القدرة على تجاوز كل حالات الاختلاف مع الآخرين ولا توجد لديه حدود تفصله عن رجل أعمى في الصين أو امرأة متعصبة لديانتها أو شخص ثالث منحاز إلى ثقافة قومه. فهو يرى كل هؤلاء من منظور انهم شركاء الحياة التي تبدو رغم كل تناقضاتها منسجمة ومتصلة ببعضها في وحدة كاملة. من يملك الوعي الكوني لا يرى فاصلا بين الأشياء والناس. وجوده مرتبط ومتصل بجميع المخلوقات على الأرض وبالتالي فان كل ما يحدث أمامه إنما هو فعل استمرار ودرس يجب التأمل فيه ورؤية ما يربط كل شيء ببعضه بداية من تفتح الوردة في مزهرية السجن إلى انهيار جسر العابرين في مدينة الحب الكوني البعيدة.


No comments:

Post a Comment