Thursday, August 30, 2012

الكراسي

 
رغم بساطتها، الا ان لعبة الكراسي تمثل رمزا حقيقيا لما يحدث في الحياة حين يتسابق البشر ويتقاتلون للظفر بالكراسي المتقدمة في الوظائف والسلطة وحتى في الطائرات. متباهين بالنصر الخشبي وبامتلاك الزائل. فيما يرى آخرون ان الجلوس على الكرسي هو السجن الحقيقي حتى لو امتلك صاحبه الصولجان وتزين رأسه بتيجان الذهب.
 
 الفرق بين الجالس والواقف فرق شاسع، الاول مزروع في مكانه ومقيّد في معنى الكرسي ولكنه خارج عن معناه، والثاني راحل دائما ومقيد في الخطوة التالية وينتمي الى الطريق اكثر من انتمائه للمكان الواحد.
 
 في حياتنا، البعض يفضل الجلوس الابدي في كرسي المكان ولا يحيد عنه، يتدرب منذ الصغر على الالتزام بكرسي الدراسة مصغيا الى ارشادات المعلم متربيا على الحفظ والتلقين واجترار الكلام، ثم الى كرسي الجامعة وبعده كرسي الوظيفة الى ان يتقاعد بعد خمسين سنة ليخرج من وظيفته شبه مطرود. ثقيلا مترهلا يتذوق لذة المشي لكنه لا يجيدها الا نادرا.
 
 آخرون، لا تغريهم الكراسي. يقضون حياتهم في الاكتشاف والقفز والمغامرة. بعضهم يمتطي البحر ويرفع شراع الريح المهاجرة الى المجاهل وقد يموت غريقا او بصعقة برق، والبعض يهزم المسافات ويصل الى الاراضي البعيدة البكر، وهناك من يحفر في كهوف الاساطير لقراءة الذكرى النائمة في الغموض، ومن ينام عريانا في وادي الثعالب ومن يدلّي رجليه من فتحة البركان. ترى ما الذي يشدّ هؤلاء لامتطاء الصعب، ولماذا ينظرون الى الكرسي بانه لا يصلح الا للاعدام فقط؟.
 
 كم من الكراسي ندور حولها في اليوم؟ في الصباح نجلس على كرسي الافطار السريع نتصفح صور الموتى في الجريدة، ثم كرسي الطريق في سيارة الوظيفة وابواق الازدحام، ثم كرسي العمل حيث نتلقى الأوامر ونقول سمعا وطاعة ونلهث لتنفيذها، ثم كراسي الحلاق والسينما والمقهى والمطعم وصالة البيت.. نتقافز من خشبة الى خشبة، تراقبنا العصافير وهي تتقافز حرة من غصن الى غصن.
 
 هناك كراس مخصصة للقسوة، منها كرسي الاعدام وكراسي الانتظار في وزارات الروتين، وهناك كرسي العدل الذي لم يجلس عليه احد. نركض بين الكراسي في لعبة المجّان الاعرج الكسول يسبقنا في الجلوس، والمشلول اول من يفوز بكأس الانتظار.
 
 تعالي لنرحل وراء السهول لنلتقي باسمينا
 نجلس على صخرة المستحيل ونصهل
 والشمس ترسم ظلينا واقفين وبيننا لا احد.

No comments:

Post a Comment