Friday, August 31, 2012

المتاهة


 


تعلمنا المتاهة أن الطريق إذا لم تكن مستقيمة فهي لا تستحق المغامرة لاكتشاف نهاياتها، والطريق في جميع الثقافات هي المسلك والأخلاق والأسلوب. وهي أكثر من مجرد رمز للدرب الذي نمشي فيه خصوصاً في فلسفة لاوتسو الصيني الذي بنى نظرياته الأخلاقية على فكرة الطريق (التاو) حيث إن كل درب تسلكه وتظن انك تعرف نهايته هو ليس الطريق المقصود لان طريق الفلسفة والخلاص هو درب الدخول في المجهول والاكتشاف وليس المراوحة في المكان نفسه.
 
 الأقسى من الطريق فكرة (المتاهة) التي تتعرج في دروبها وتقود التائهين الى حتفهم المحقق. وهناك في التراث العربي قصة عن المتاهة التي بناها أحد الأباطرة الرومان وبفكرة غادرة دعى اليها احد السلاطين العرب وأدخله فيها، لكن هذا السلطان استطاع بطريقة ما ان يخرج من متاهة الحديقة الضيقة ثم بعد أعوام قام السلطان العربي بدعوة الامبراطور الروماني الى ضيافته ثم أخذه الى الصحراء وتركه وحيداً في متاهاتها الواسعة فلم يعرف كيف يخرج منها حتى مات. وقد استوحى الكاتب الارجنتيني بورخيس هذه القصة وقدمها في أحد كتبه المليئة بقصص من التراث العربي.
 
 المتاهة اليوم موجودة في حياتنا اليومية والآلاف أسرى داخلها لا يعرفون طريقاً للخروج ولا للتحرر من حدودها. البعض يعيش داخل متاهة العمل، يفقد التركيز ويظل يحوم في مكانه مستلذاً بتكرار الاسماء والأرقام من حوله. وآخرون بالآلاف ايضاً يعيشون داخل متاهة يومياتهم بلا جديد سوى إشراقة الشمس في نافذة انتظار الأمل ولكن الأمل لا يأتي لمن ينتظرونه في الظلام.
 
 أحد الأصدقاء وهو طبيب عام شرح لي يوماً لحظة دخوله الى المستشفى الحكومي بانه دخول في المتاهة حيث الممرات تقود الى ممرات وغرف أخرى، وقال إن المباني الكبيرة صممت على شكل المتاهة لكي لا يخرج أو يهرب المرضى منها لكن الأطباء يقعون أسرى لهذا التصميم الهندسي المراوغ دائماً.
 
 يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن مباني الإصلاحيات والمستشفيات والسجون والمدارس والجامعات مصممة بالشكل نفسه وهي تؤدي الغرض نفسه وهو تطويع البشر على الخضوع للقوانين التي تسنها المؤسسة الرسمية.
 
 بطريقة أو بأخرى ندخل يومياً في المتاهات، أحدنا يتوه في الطرق المجهولة ويصل الى اللامكان، وآخرون تقودهم الخطوة الى الدخول في متاهة الفكر ومتاهة الحيرة في فهم الآخرين ومتاهة اللقاء مع الذات حيث كلما توغلنا في قراءة انفسنا نجد أرواحنا تحتار اين الصواب في متاهة لا نهائية.
 
 هناك من يرى العالم كله بأنه متاهة كبيرة ولا سبيل للخروج منها. فهل انت خارج المتاهة؟
 
كانت الطريق واسعة ونهاياتها مغلقة
وكانت النفوس تركض في دروب يرسمها العقل
وكانت حبيبتي صورة صماء في النافذة
لكن الخطوة تجمدت عندما سألت: أين أنا؟
ولا أحد في الطريق كان يسبقني
سوى ظلي المنحني
وهو يعبر في متاهة الحياة.
 


No comments:

Post a Comment