Wednesday, August 29, 2012

الأيادي


لا ننتبه كثيراً إلى أن اليد هي أداة تعبير وحركة ربما أكثر من الرأس واللسان. طيلة اليوم تلتقي اليد عشرات الأيادي في المصافحات اليومية، نمدها للأصدقاء ونستمد منهم حرارة المودة وحماس الالتقاء بعد توق وشوق، والمصافحة طريقنا الى التعبير عن الصداقة والسلام، وهي أشهر أدوات التعبير باليد، لكن هناك أدواراً أخرى كثيرة ورائعة تقوم بها اليد منها ما يلي:

اليد التي تلوّح بحرارة في مشهد الوداع الأخير تحمل في مضمونها ما تعجز عنه الكلمة، والمسافر في رحلته الأخيرة لا يتذكر سوى تلويحة الوداع من بعيد عندما تغيب الملامح ويصمت اللسان وتعجز الأذن عن سماع الهمسات التي تتلاشى في الريح.
 
 هناك اليد التي تأخذ دائما ونراها ملوثة بالطمع والجشع الآدمي. في حياتنا اليومية العشرات من هذه الأيدي التي تنهب في كل ساعة من أرزاق العباد وتملأ جيوب البخل وخزائن الخائفين من زوال النعم.
 
 أما اليد التي تعطي فهي بيضاء، إنها رمز للرحمة والعطاء الخفي حين تغرف من حفرة الخير وتنثر تبرها في تراب الدروب المعتمة لتضيء الأفواه الجائعة وتغطي البردان في ليالي المطر. من دون ان يشعر بوجودها أحد وهي أشرف يد.
 
 اليد تصبح أحيانا رمزاً للروحانية العالية حين يسكت اللسان وترتفع هي في الدعاء النابع من القلب. هذه اليد التي ترتفع مفتوحة في الصلاة طلباً للرحمة، تصبح رمزاً للتواضع والخشوع.
 
 هناك أيضا اليد التي ترفع السكين وتطعن بخنجر الغدر. واليد التي تمسح على جبين المسكين. واليد التي تعمل وأخرى مشلولة في الكسل. واليد التي تزرع وتحصد وأخرى تدمر وتحرق حيث تختلط الأدوار وتتسع وتكبر، بعضها في الخير وبعضها في الشر وكثير منها بلا معنى.
 
 لدينا أيضا اليد العبقرية التي تتلوث بالحبر في فعل الكتابة. واليد المبدعة حين تتلطخ بالألوان في رسم اللوحة، واليد الرومانسية التي تحمل الوردة مجروحة بالشوك، ويد النهي ويد التهديد واليد اللعوب التي تصفق في مهرجانات البذخ واليد التي ترفع في حفلة النصر واليد المقطوعة في الهزيمة واليد المشلولة التي لا تقوى حتى على حمل مفتاح.
 
 في غمرة الشوق لا ينسى الشاعر أن يكتب عن اليد المحنّاة في ليلة العرس، واليد المزهوة بخاتم الزواج... تلك الأيادي الناعمة التي تمسح عرق التعبان وتزيح من دربه قسوة الأيام. واليد الخفيفة، هي تلك التي يمتلكها الساحر، ويستغلها اللّص للنهب. أما يد الشفاء فهي التي بكل جرأة تخيط الجرح وتحمل مبضع الجراحة. ولا ننسى يد الكرامة، تلك اليد التي تحمل السلاح دفاعاً عن المقدسات والوطن.
 
 إنها الأيادي
 كانت تصدني وأنا أركض نحو وجهك
 الأيادي التي دفعتني خارج المعنى لأنسى
 كبّلتني
 فصار الحنين تلويحة المبحوح
 والحروف أصابعي المقطوعة على ورق أبيض.
 

No comments:

Post a Comment