Thursday, August 30, 2012

مرايا الظلال





في حياتنا هناك الكثير من المرايا التي ينبغي التحديق فيها لاكتشاف الأشياء من حولنا وتعميق نظرتنا للحياة من مجرد رؤية عادية للسطح، الى استبطان الأعماق.

هناك أولاً المرآة العادية التي نقرأ فيها وجوهنا بشكل عابر وهي وحدها التي تكشف لنا بصدق التغيرات التي تطرأ علينا مع مرور الزمن حيث تتكشف التجاعيد تدريجياً في جبين الذاكرة وتصير خطوطاً معبرة عن رحلتنا في الزمن. هذه المرآة كانت في الماضي رمزاً للسحر ولاستقراء المستقبل والرؤيا، لكنها تكاثرت اليوم في حياتنا وصارت جزءاً من يومياتنا ونحن نعبر من فسحة الطفولة البريئة الى رحابة العالم. حتى أن حياتنا اليومية صارت كلها مرايا في الأسواق والممرات والسلالم. والأغرب أن الأكثرية يبدأون صباحاتهم بالنظر الى المرآة. لكنهم لا يكتشفون فيها شيئاً من كثرة التكرار. أي أن الشخص صار يرى نفسه عشرات المرات معكوساً في مرايا اليوم.
 
المرآة الثانية التي لا يراقبها أحد هي (الظل) فهو يعكس بشكل ما رحلتنا اليومية تحت الضوء ويرافقنا مثل صديق لدود في كل خطوة. لكنه يختفي في الظلام حين نخلد الى النوم ولا أحد يسأل أين اختفى هذا الصديق. ولعل الراحل محمود درويش أكثر من تغنى بالظل في العيد من قصائده منها ما يقول:
 الظلُّ، لا ذَكرٌ ولا أنثى.
 رماديٌّ، ولو أشعلْتُ فيه النارَ
 يتبعُني، ويكبرُ ثُمَّ يصغرُ..
 
 المرآة الثالثة هي الآخرون، حيث يصف أكثر من باحث أن الشخص يرى نفسه من خلال ما يظنه الآخرون عنه. والغريب أننا نتشكل في هذه المرآة في عدة وجوه ولكن لا يظهر وجهنا الحقيقي الا مع قلة من الأشخاص المقربين. فأنت أمام مرآة المسؤول غيرك أمام الصديق وغيرك أمام المرأة، حيث تظهر لكل منهم بوجه مختلف. وقلة من العارفين يصلون الى مرحلة إظهار وجههم الحقيقي أمام الجميع عندما يعتمدون الصدق في جميع تعاملاتهم من غير مجاملة لشخص أو محاباة.
 
 التحديق والتفتيش عن المرايا التي تحيط بنا قد يكشف لنا فلسفة عميقة حول الأشياء التي تعكس لنا وجودنا، فأحدنا قد يرى نفسه في الكتابة وتصير هي مرآته الحقيقية، والفنان يجد نفسه في اللوحة والراقص يجد نفسه في القفز المتناغم على الأرض الصلبة.. هكذا تتحول الحياة كلها الى مرايا نستطيع أن نقرأ منها ما يحدث لنا وما نحن عليه بكل صدق.
 
كانت تراوغني المرايا وضعت فيها
أسأل:
 من أنا قرب الماء؟
 أين ظلي حين أقفز وراء غيمة الحب؟
ولا أحد يجيبني سوى المرايا الصامتة 
 

No comments:

Post a Comment