Friday, September 7, 2012

سائرون..



سائرون في ترنيمة الأرض نحرس رملها من رذاذ الكلام المرّ، نرويها بالعناق واللثم ونحن نستظل بالأيادي الحنونة التي اتحدت لمصافحة النور فصارت قبّة بيضاء ننام تحت عيونها مطمئنين وهي تحرسنا مثل أم وترضعنا من حليب المجد ما نفاخر به بين الأكوان.
 
 لا يكترث صغارنا الا للفراشات حين تحتشد في متاهة الورد فتغريهم على القفز لاصطياد الجمال في مكامنه المستحيلة. وحين يسدل الليل جفونه المرصعة بالنجمة والقمر، يذهب الصغار الى حكايات هذه الأرض حيث تنام سيرة الرجال الذين توسدوا الصخرة في قارص الهجير وعبروا الصحراء مشيا لينحتوا في جبين الريح صوت أغانيهم البعيدة التي ظل صداها يتردد في المستقبل مستمرا كلما نطق عاشق باسم حبيبته وتغزّل بها ونام.

سائرون نرصُّ صدورنا العارية معا لنبني سورها الأعظم ونحن نهتف بكلام هو الحب. أبوابنا مفتوحة للقادمين من جهة السلام، وينابيعنا مدرارة ستبقى لتروي عطش النازحين من كتب الجفاف. هذه الأرض التي ابتسمت لها المرايا وقبّلها الضوء مفتونا في العلن. الأرض التي خطّت الشمس على جلدها نقشا عربيا يشعّ في عتمة النوايا ويحيلها صفحا بعد جفاء وهجر. كانت وسوف تبقى أنشودة في فم العندليب. يصغي لنبضها قلب الحياة ويخفق كلما تغنى طفل باسم أمه واستمسك بها ونام.

سائرون في يدنا مرفوعة طباشير الضوء نكتب اسم الأرض على سماء تبسّمت حين استفاق النهر فجرا وتدفق في عروق الكلام فولد اسمها من (ألف) الأمنيات و(لام) اللبّ  و(ألف) الألفة و(ميم) المجد و(ألف) الأمل و(راء) الروح و(ألف) الأمهات جميعا
 و(تاء) التواريخ التي تكتب بماء الذهب ويعلّقها الناس روزنامة على جدار المستقبل وهم فيه يتقلبون على سرائر المحبة بينهم. كلما ولد حلم وتحقق، كلما عاد صاحبه ونام.

سائرون نجرُّ سفننا على الرمل ننصب خيامنا على البحر نرسو في مستقر النور يسبق اسمها هذه الأرض نطليها بالقبل.
 
كان الزمان يجرّ أثقاله متعثرا في حفر العناد، متأخرا قرب متاريس الصد. وكان الكلام هو الخصام ينطق به العميان في عتمة الجهل وانسداد منابع الرؤى. ثم جاء الرجل الحكيم يحمل بوصلة هي قلبه الذي توحدت فيه الاتجاهات. قال انظروا للشمس تضيء في الأبعاد والآفاق ومشى نحوها. ونحن تبعنا خطواته الواسعة نحو النور محتمين بظله الكبير. دخلنا في زحام الأمم العظيمة وهو أولنا في الأمام. رفع راية (بيضاء) وسماها النقاء، وراية (خضراء) هي حبه وحبنا للطبيعة، وراية (حمراء) هي إخلاصنا لمعاني الحب، وراية (سوداء) هي حبرنا الذي كتب اسمها على صفحة الوجود ليظل يلمع كالذهب كلما عانقت الشمس جفون البحر وذهبت باسمة لتنام.

سائرون قطارنا مسلك أبيض والمدى بداية ما نراه. كل خطوة هي جسر لارتقاء المستحيل وطيّه في كتاب الأرض التي عنوانها مقصد كل توّاق لمعانقة حلمه. البعيدون يرونها نبعا يشعّ بالضوء من مصدره في القلب، والقريبون أصواتهم تختلط بالأسماء جميعا ولكن لا يسمع من بينها سوى ترنيمة هي اسمها مطلع كل فجر، وبداية كل نشيد، وتغريد كل نداء.

 

No comments:

Post a Comment