Saturday, November 17, 2012

عطش

 
يركض العطشان وحيداً في براري الظمأ.. لا ريح تهز وحشة عمره ولا مطر يغسل ذكريات الصبر وينسيه الجفاف.. متسكعا يفتش في الكتب القديمة عن معنى الارتواء.. عن الكلمات التي هربت من دفاتر الحكمة وتلاشت في طباشير الطفولة.. والعطشان لا يعرف كيف ينطق في درس الماء.. كيف ينجح في مدارس القسوة والضرب والجمع.. وكيف يستقيم له عود في طابور الطاعة الطويل.
 
يهرول الجائع نحو شجرة المعرفة لا يتعب ولا يكل.. من غصنها تتدلى ثمار الغواية ولكن لا تطالها الايدي ولا تدركها الا بصائر من حفروا عميقا في التراب وادركوا معنى النبع ومكمن الأفعى وراءه..والجائع حين يصل متأخرا، يمد يده في الغموض البكر ليصافح نور أيامه المتبقية.. ويكون القلب دليله إلى وليمة الأضداد حين تجتمع كلها في طبق واحد هو طبق الصمت.
 
يمشي الجبان في خط مستقيم ويسقط في قبر غيره..ثم يتبعه الخائف الذي يظن أن الريح دعوة للاختباء وان الحرية هلاك أحمر.. كلاهما فراغ فارغ.. لا احد سيذكرهما لو عاشا ألف عام.. الوردة لا تنبت في اليد التي ترتجف.. والشمس لا توقظ من يغطي وجهه بيديه.
 
جاء الأعمى متفاخرا في الليل يتبعه جيش من التائهين.. وقف قرب هاوية الدنيا وشق بعصاه دربا إلى هاوية الآخرة.. ثم مشى تاركا جسده يسقط إلى نعيم الخلاص من الظلام الابدي.. ووراءه سقطت جيوش من العميان ولكن عيونهم كانت مفتوحة على الفراغ الذي منبعه العقل.
 
ثم انقلب المعنى.. وصل الاعرج أسرع من السلحفاة ونال وسام الانتظار.. تدلت ثمرة الوضوح من غصن الحقيقة وسقطت في نهر وهمي .. الثعلب الأسود رأى وجهه أرنبا في انعكاس الماء العكر.. ثم تلاشت حروف المعنى ..خرجت الصورة من أصلها وعادت للمرآة المكسورة..تغيرت الوجوه كثيرا وتبدلت الاسماء، ولكن لم تتغير أقنعة الحديد ولم يخلع أحد قفاز الغدر.
 
يصل الشاعر أولا إلى المكان الأخير على الأرض.. يكنس الغبار عن كلمة (الحب) ويجعلها رمزا لاتحاد الكون في قلب العاشق.. ثم بيمينه يرفع وردة صفراء عاليا ويسميها (نور الشرق).. ثم بيساره يلوح للقادمين من متاهة الزمن..ثم الكلام يخرج من لونه ويتبدل إلى رموز واشارات.. وعند المغيب ينحني الشاعر ويكتب كلمة (العالم).. والقمر من فوقه يبتسم والنجمة تتثاءب وتنام.



No comments:

Post a Comment