Wednesday, November 21, 2012

الحاقد


كل جرح يكبر إن لم نداوه، الا جرح الحاقد، فهو يزول إن تجاهلناه وداويناه بالصد والإعراض. عندما نرفع صوت النشيد الحر طرباً وبهجة واحتفالاً بروعة الحياة، فإننا نمسح الغيّ من الكلمات الجاحدة، فلا يعود أصحابها قادرين على الخروج من جحورهم، لان الشمس تكون قد أشعلت الأرض نورا، ويكون الكلام قد ارتقى الى مراتب الحب العظيم.
 
 من عادة الحاقد انه يتألم إن رأى الأعراس تكبر في الأوطان، وتدمع عيون قلبه الأسود إن وجد الحشود تكثر، وهي تحرث في الأرض نسلا يصون التراب من الأقدام الخبيثة قبل أن تطأ شبرا طاهرا، ويمنع أن تتلوث الريح بالأجنحة المغيرة. ومن غرفة جهله، يرى الحاقد رمح النار محمولا في يد الغرباء وهم يتربصون له من البعيد، فيظنها شعلة الأمل. وقد يسمع طبول الغدر ترتفع إلى أن تصيبه بالصمم، فيطرب لها، ويبدأ رقصة الطعن في الأقرباء، لكن ضرباته لا تصيب سوى الفراغ، ولا تجرح الا المرايا السوداء التي تعكس وجهه الملوث بفحم الأفكار المحروقة.

كل عين مفتوحة ترى الجمال وتستأنس به، الا عين الحاقد، كلما اتسعت في مشهد النور، كلما ازداد احمرارها. يأتي الصغار فرحين يهرولون الى حضن من كان يحميهم ويحملهم على الأكتاف، ويأتي الكبار مدججين بالعزّة يذودون عن التراب كأنه ذهب وأغلى، وفي كل بيت توقد الأمهات شمعة الدعاء بان يظل النور فجرا مستمرا في دم الأجيال. لكن الحاقد يأسى إن رأى الزمان يجود بالكثرة ويغمر الخير الجميع، وقد يتسرّب الوهن الى روحه حين تعطيه الأرض عسلا نقيا ليشفى، لكنه يراه مراً لاذعا فيستبدله بالسمّ ممدودا له في يد الغريب.

كل القلوب تصفى إن اختلف أصحابها، الا قلب الحاقد، يظل يغلي حتى لو انطفأ السعير وترمّدت نار الكراهية. حتى لو عادت الطيور الى أشجارها بعد انحسار العاصفة، يظل الحاقد يتلوى مثل الأفعى، ويلتف على شجرة الطمأنينة متسلقا أغصانها الصغيرة الممدودة للحب والعناق، متوهما أن النسر يترك أعشاشه نهبا للريح او للمتربصين، مآل كل أفعى أن تعود الى جحرها والا نهشتها مخالب من حرثوا الكرامة وصيروها شجرا عاليا يظلل الجهات بالأمان ويثمر عزة وفخرا. ومآل كل حاقد أن يعود مطعونا الى عار أيامه مستغيثا بثعالب الغدر، ولكن لا احد يلبيه.

كل لسان يخطئ وهو يتهجى الكلمات الأولى، لكنه يعود ويستقيم في رحابة الحوار الحلو. الا لسان الحاقد، فهو ينطق بالباطل مستظلا بكلام عن الحق، ويزرع بذرة الشر في الكلام لكي تزهر بعد ذلك وردا خانقا يعمي النفوس المريضة ويزكمها. لكن وردة الحقد تذبل قبل تفتّحها، وشوكتها وان لسعت، فإنما تلسع صاحبها الذي يظل يشمّ دخانها الى أن تتسمّم روحه. ويموت بعدها مخنوقا في ظلام أفكاره الجاهلة، ويكون قبلها عقله قد خفّ، ويكون بعدها لسانه قد جفّ.
 
في كل زاوية كتبت حرفا من اسم بلادي

ونمتُ مطمئنا حاضنا أقمارها في شمس قلبي
 

1 comment: