Saturday, February 23, 2013

نقد القلب


 
 ترى الكثير من مدارس الحكمة الشرقية ان العقل هو العائق الأول أمام تحرر الإنسان من غصة التشتت والتردد، بين ما يريده المرء حقا، وما يفعله مجبرا في يومياته وعلاقاته، وما يجب أصلا ان يقوم به من سلوك. فنحن نتعرض طوال اليوم إلى الآلاف من المؤثرات عن طريق الحواس الخمس، أصوات ومناظر وأفعال ورغبات تختلط كلها في شكل شحنات تؤثر في النهاية على نظام حركتنا وتعاطينا مع الوجود، بعضها نتخلص منه،
ولكن الكثير من هذه الشحنات يظل عالقا في الذهن ويؤثر بالتالي على سلوكنا وردات فعلنا الواعية وغير الواعية.
 
هذه الشحنات غير المدركة وغير المرصودة تمثل في النهاية الوقود الذي يشحن العقل ويحدد طريقة فهمنا (العقلانية) للعالم من حولنا ولعلاقتنا بهذا العالم.
 
ولتجاوز عائق (العقل) يحتاج الإنسان ان يتطهر يوميا من الأفكار التي لا لزوم لها، ولكنها تظل تطرأ في الذهن والخيال وتعيق بالتالي الوصول إلى الصفاء الذهني، واقرب الطرق لطرد الأفكار هي التركيز ذهنياً على فكرة واحدة وإجبار العقل على البقاء في هذه اللحظة.
 
كلما طالت مدة التركيز الذهني كلما تخلص العقل من الصور الملحة والذكريات الحزينة والوجوه والأصوات وتأثيراتها، وبالتالي فان الوعي سينتقل إلى مرحلة أعلى وأسمى بعيدا عن الهموم اليومية والحياتية الطارئة..وتنصح هذه المدارس «بالتطهر» يوميا من الأفكار التي تعلق بنا طوال اليوم لنعود في اليوم التالي أكثر إشراقاً ورغبة في الاكتشاف والفهم.
 
هذه المعرفة المبسطة والمنطقية للمؤثرات الخارجية ودورها في حياتنا تمثل الدرجة الدنيا في طريق الحكمة. هناك مدارس أخرى كثيرة طرحت مفهوما مغايرا ومختلفا، لكنها مع ذلك لم تبتعد كثيرا لأنها ذهبت مباشرة من تجاوز (العقل) الذي يتأثر بالمحسوسات إلى تبني وتمجيد (القلب) باعتباره عتبة الخلاص المنشود.
 
 العشرات من رسل الحكمة مجدوا القلب واعتبروه مركز النقاء والانفعال الصادق..لكنهم أيضا سقطوا في فخ أكبر لأن الانفعال الصادق لا يتم عادة بوعي وقد يكون تلبية لرغبة غير واعية.
 
وإذا كان الشعراء انحازوا إلى القلب وتغنوا به فلأنه كان يمثل النقيض الوحيد للعقل ليس إلا. وهناك اليوم حيرة أزلية داخل كل إنسان بين قلبه وعقله..يسمع من؟ ويتبع من؟ وكأنه لا يوجد طريق ثالث أو رابع غيرهما. وهنا يكمن سر الحكمة التي تتجاوز (العقل والقلب معا) للوصول إلى فهم جديد للطبيعة البشرية وللمبادئ الثنائية المتضادة التي تحدد معرفتنا بالعالم.
 
القلب عائق أيضا ويجب التخلص من سلطته، فهو مكمن الحقد والكراهية والانتقام والآلاف من الرغبات والغرائز المدمرة التي تحجب عنك رؤية النبع الصافي للوجود، ولتطهير القلب من كل هذه الشحنات الحارقة تنصح مدارس الحكمة بممارسة تأملات (المحبة الخالصة) يوميا.
 
وهي ان تبعث يوميا شحنات حب حقيقية وبكل صدق إلى كل من حولك والى كل البشر وكل الكائنات بمن فيهم الأعداء ومن يكرهونك، وان تجبر قلبك على حب الآخرين بلا مقابل او شروط مهما كانت أفعالهم وسلوكياتهم تجاهك. وبهذه الطريقة تبدأ طريق التطهر الأكبر من عوائق العقل والقلب معا لتصل إلى المستوى الثالث من الوعي حيث تنتفي في نظرك المتناقضات والثنائيات وترى الوجود بعدها واحداً لا ينقسم إلا في المظاهر والأشكال.

No comments:

Post a Comment