Monday, April 15, 2013

زعل


 
يعرف بعض الفلاسفة (الزعل) بأنه نوع من القسوة المبطنة، وأحد اشكال الضغط النفسي الذي يمارسه الانسان على غيره. وهناك درجات من الزعل تبدأ بالعتاب الصغير واللوم وتنتهي في أقصاها الى الخصام والهجران الابدي. وهناك من يرى الزعل بأنه مرض يكشف عن ضعف من يمارسه ويفضح عدم قدرته على رحمة الآخرين وغفران زلاتهم. ذلك لان اصحاب القلوب الرحيمة والكبيرة لديهم الشجاعة الكافية على تفضيل قيمة التسامح على قيمة العقاب، وكل زعل هو في أحد اشكاله عقاب قاس جدا، خصوصا اذا طال أمده، والملفت انه ايضا عقاب ذو حدين حيث يتعمق مثل الجرح في نفس من يمارسه، كما في نفس من يمارس عليه.

 في حياتنا المركبة والمعقدة نصادف الآلاف ممن يمارسون علينا هذه القسوة. بعضهم بسبب، وكثيرهم بلا سبب. الاصدقاء الذين كانوا يملأون حياتك نورا وبهجة، تجدهم فجأة وقد تبرمت شفاههم وانسلوا من حياتك بلا استئذان ربما بسبب كلمة عابرة او فهم خاطئ لسلوك ما، لكنك تستطيع ببساطة ان تتجاوز زعلهم وعتابهم المر والخفي بالمبادرة بالسؤال عنهم وتكراره وبابقاء شمعة المحبة لهم مشتعلة مهما طال بعدهم عنك.

تحاول الثقافات الروحانية ان تعلي من قيمة المسامحة باعتبارها تطهيرا مستمرا للقلب، وهناك فلاسفة وعشاق عظماء للحياة يمارسون رياضة التسامح يوميا بتوجيه المحبة الى الجميع، الى من يسيئون لنا أولا، والى من يحسنون لنا ثانيا، لكي لا تعشعش في القلب الا جذوة النور والرحمة، هكذا يمكن ان نكنس من العالم طاقة الكراهية ونجعل الهواء نقيا للابداع والألق والجمال.

ماهي القيمة التي تجنيها اذا ادرت ظهرك لأخ او صديق حياة لمجرد انه زل او اختلف معك في الفكرة. ان الاساس الذي تقوم عليه العلاقات الرائعة والحرة ينبغي ان يتجاوز هذا الفهم الضيق لمعنى الصديق او الآخر، وماذا تظن اذا وقفت يوما وادركت انك تزعل أحيانا من نفسك وتعاقبها بالعتاب واللوم وتسجنها في غرفة التأنيب؟

خرج احمد يوما من بيته الضيق ومشى الى البحر وفتح ذراعية لاحتضان أول موجة تصل الى الشاطئ، لكن الموجة صدته بعنف ورمت به على الرمل فزعل منها، ثم فتح عينيه الواسعتين امام الشمس فاحترقت نظراته البعيدة فصار يكره النور. وحين قرر ان يعود الى مخبئه البيتي هبت الريح الصيفية من وراءه ولفحته على الرقبة، ثم مر طائر النورس ورشقه على القميص والكتف. ولكن في المساء قرر احمد ان يسامح الحياة، وادرك ان الاشياء والكائنات كانت تداعبه كل باسلوبه وطبعه وتكوينه.. ونام وهو يسأل: هل كانت الموجة ضدي ام انا كنت ضدها؟

كل فم ممدود في الزعل يخنق الحياة..

2 comments:

  1. النمسا بلد أوروبي شهير، وخاصة في مناطق جبال الألب والتزلج الذي يأتي عادة مع هذا. ومع ذلك، هناك بعض المدن في البلاد التي لا تعتمد فقط على التزلج للحفاظ على اقتصادهم واقفا على قدميه.

    ReplyDelete