Friday, December 13, 2013

خذني منديلاً يا مانديلا



يركضُ المشتاقُ الذي اسمه (مانديلا) نحو الحرية، يظنها في البدايةِ صيداً ممكناً ونعيماً. لكنه في أول خطوة على دربها يسقطُ، وتنهالُ على جسده العصيّ الغليظة، ويصرخ في أذنه الجُهّال: عُد أدراجك وإلا قتلناك. والخائفون هم أولئك الذين يعودون من درب الحرية بعد أول خطوة، يمشون برؤوسٍ محنيةٍ وعلى رقابهم آثار السوط. أما الحرُّ، فهو الذي ينزع قمصانه ويعبر في درب الجلادين غير مكترثٍ بنعيقهم. يدوسُ على المسامير والجمر من غير آه، ويظل نشيد الكرامة حياً على فمه حتى لو كمّموهُ بالأسلاك.

معصوبَ العينين سوف يزجّون به في السجنِ، لكن قضبان الحديد لا تأسر الروح الحرة، وأصحاب القلوب العظيمة يدركون أن حديد الكراهية يصدأ في نهاية المطاف، وأن الجدران العالية، مهما بلغ ارتفاعها في الصمت، لا يمكن أن تحجب صوت الحقيقة. والمشتاق الذي اسمه (مانديلا) سوف يظل يركضُ حتى وهو جالسٌ في مكانه، وإن ظنوا أنه لن يصل إلى الحرية يوماً، فإن الحرية بنفسها سوف تأتيه، ستدخل عليه في سجنه وهي عارية وخفية ولا يراها أحد. وستقول له: خذني معطفاً فوق زنديك، خذني منديلاً يا مانديلا لتمسحَ بي عرق صبرك، لكنه سيضعها تاجاً على رأسه، وسوف يقول للحانقين: لا للانتقام. لا تأتي الحرية لمن يُزيح الجلاد ويجلس مكانه ليعيد اجترار الألم. ولا تكبر الحرية، ولا تستوي درباً، إلا حين يسبقها السلام ويتبعها السلام. اليدُ الحرّة هي أوّل يد ممدودة في المصافحة، شريطة أن يرمي الآخرون السيف. والقلبُ الحر، هو الذي يقطرُ بالمسامحة حتى لو أكلتهُ المرارة وأنهكهُ الظُلم سنين طويلة.

الأسود والأبيض وجهان لفكرة الكمال، شرطان ضروريان إن أردنا اعتدال الميزان. أنظروا لمرايا الحقيقة قال مانديلا، فهي لا تعكسُ سوى وجه واحد صاف هو وجه الله. ولكن العُميان كانوا يحدّقون في عتمة أرواحهم، يتغذون بالحقد، ويسري دم الكراهية في عروقهم. وسوف يظل مانديلا ينادي عليهم ليفتحوا عيون قلوبهم وإن عذبوه، وسوف يجعل من سجنه باباً يعبر منه شعبٌ بأكمله نحو الحرية. هكذا تذوبُ الفروق في عين من يرى الحقيقة ويظل يسعى لنيلها حتى لو زرعوا الأمواس في طريق خُطاه.

أيها المسجون في جهل ذاتك، أيها المحتار لا تعرف ما الحياة. خذ حذاء مانديلا وجرّب أن تركل الخوف لتكون حراً. خذ جناح مانديلا وسافر في تحقيق حلمك بالارتقاء أعلى من حدود النجم. يولدُ البشرُ من جوهرٍ واحدٍ، لكن هذا يختار أن يمشي باتجاه الشمس، ويذوق لذّة الفناء في النور. وذاك يقبل أن ينزوي في اليأس، مستسلماً راضياً ببيته في المستنقعِ، وبسريره في الجحور.

سيّان إن عشتها أو مُتّ بها

الحريةُ مسعاك إن كنتَ ذا معنى

وإلا فالحياةُ سجنٌ وندمٌ طويل

هدرٌ بربريٌ لعمركِ الفارغ

وخواءٌ وهذرٌ

ومسرى أسير

1 comment:

  1. Once I knew a man who's ears were exceedingly keen, but he was dumb. He had lost his tongue in a battle.
    I know now what battle that man fought before the great silence came. I am glad he is dead.
    the world is not large enough for two of us. khalil gibran.

    ReplyDelete