Friday, March 21, 2014

هذه أمي



لو تنطقُ الرحمةُ أو يكون لها شكلٌ آدميّ لقلتُ: هذه أمي.. طفوتُ على نهرِها مثل ورقةٍ خضراءَ فكانت تحميني كلّما نتأتْ الصخورُ في طريق طفولتي. شربتُ من نبع حليبها عسلاً إلى أن غصّ فمي بالعذوبةِ، وكنتُ أصعدُ باتجاه الضّوء متسلّقاً ظهرَها الذي انحنى أمامي جسراً لأعبرَ فوقه نحو غابةِ الاكتشاف. بأصابعي الصغيرة تشبّثتُ في جدائل شعرها محتمياً من السقوطِ، وهي تعبرُ بي في الريح وسط حقولِ المطرِ وشدائد الأيامِ. كلُّ جرحٍ يطيبُ إنْ مسحتْ بيدها عليه ويفْنى، كلُّ دمعةٍ تجفُّ إنْ ابتسمتْ في عيوني أو قبّلتني لأنامَ. وأنا الشّقيّ كنتُ أقفزُ جاهلاً بين الحفرِ، أسقط كلَّ يومٍ وهي تسعفني لأنهضَ في تحدي الحياةِ.

لو كان للحنانِ عينان ووجهٌ يبتسمُ لقلت: هذه أمي.. الشجرةُ التي لعبتُ تحتَ ظلالها آمناً، غير مكترثٍ من أين يأتي الرزقُ، وهي تمدُّ أغصانَها لي بالثمارِ. تطعمني من ثدي الأرضِ حبّاً لأعيشَ أعشق ترابها مهما ارتحلتُ في البراري ومهما داستْ قدماي في المدنِ الغريبةِ..وأمي هي البلادُ التي يشتعلُ الحنينُ إليها كلّما اكفهرّتْ الغيمةُ فوقَ رأسي وحاصرتني القضبانُ الصدئةُ وشلّت أجنحتي. ذهبتُ عنها ألهثُ في الوجودِ مفتِّشاً عن كنوز الملوكِ وتيجانهم، لكنّي عرفتُ أنَّ كلَّ ذهب العالم ومجده، لا يساوي لحظة أن ارتمي متمرِّغاً في حضنها.

لو كان للعطاءِ يدٌ لا تمنّ لقلت: هذه يد أمي.. غسلتني في نهرِ عينيها لأرى الوجودَ أغنيةً ونداءً حلواً في المدى. ألقمتني الكلامَ حرفاً حرفاً فصار النشيدُ سلامي كلّما مررتُ في طرقِ الخصامِ، وكستني من ثيابِ القناعةِ حتى مشيتُ متدثّراً لا تلسعني الريحُ مهما تضوّر لفحُها. أمي.. في كفِّها عطاءُ الأرضِ كلّه، وفي عروقها مَصْلِي.

لو كان للحياة قلبٌ ينبضُ كي تستمرَ الحياةُ، لقلتُ: هذا قلبُ أمي.. كلُّ خفقةٍ منها ترِّن في صدى الوجودِ فيطربُ الكونَ ويعتدلُ الميزانُ. رميتُ برأسي على صدرها ورأيتُ كيف تستوي الدنيا مناسبة عشقٍ، واحتفالاً لا ينتهي أبداً. يسألني الجبناء وهم يرتجفون في توابيِتِ الخوفِ أين تنامُ. أقولُ: في قلبِ أمي. ويسألني الموتى كيفَ انتصرتَ على ندمِ السنين وكيف تحيا سابحاً في جنانِ أمانٍ. أقول: أحيا بنبضِ أمي.

لو احتشدتْ طيورُ الأرضِ وغنّتْ صوتاً واحداً عذباً، لقلتُ: هذا صوتُ أمي.. كانتْ تغمرني في الخيالِ، تُهدهدني رضِيعاً في مَهْدِها، فيضيعُ صوتُ البكاءِ كلّما غنّتْ بلحنِ الأمومةِ الأزليّ. وحينَ كبرتُ مختالاً أخطو نحو الضّياعِ، كان دعاؤها يصعدُ للسماءِ صوتاً، وينْزلُ على شكلِ ملاكٍ يزيحُ الشّوكَ من الدّروبِ التي لا أعرفُ كيفَ قطعتُها وحيداً بلا زادٍ ووصلتُ إلى منتهاها سالماً. وأكادُ أقْسمُ أنّني كلّما وقفتُ على حافةِ الدنيا في البعيدِ، أسمعُ صوتَها يناديني: تعال.

مُتوازِناً مَشيتُ على حبلِ الحياةِ
أمي في كفٍ، والعالمُ كلّه في كف
وأنا أصفّقُ وأصفّر بفمي
مُغرِّداً مُرفرفاً بجناحين من ريشِها
أمي..
قمرٌ على دنياي، وشمس..

No comments:

Post a Comment