Friday, February 5, 2016

رقصة النسيان




من أي بابٍ ستخرج، وقد نهبوا مفاتيحك كلها ورموك في بحر الكلام؟

أجلس.. لن تجد بين الفارغين سوى الفراغ. ولو حدث أن ناديت تصرخ في صمتك: أغيثوني، لن تسمع سوى الدفاتر تصغي لآلامك. ولو فتشت عن حضنٍ يؤويك من برد الشائعات، لن تجد سوى الورقة سريراً رخواً لأحلامك النائية. فاذهب الى حروفك التي ضاعت في الثرثرات، وفتّش بينها عن صوتك الأول، وعن صدقك الأول، وعن الاسم الذي ظل سراً في حنايا الروح ولم تبُح به لأحد. واقصد اسمها الذي كنت تكتبه في الهواء فيصير غيمة. واسمها الذي حين نقشتَ حروفه على جبلٍ ذاب، وتفتتت قسوته. واسمها الذي حين رسمته على البحر، صار البحر يضحك، واهتدت سفن الرحيل فيه إلى مراسي الأمل.

في أيّ كتابٍ ستختفي. وكل الروايات التي قرأتها مات أبطالها في شرَك النهايات، وتشردت العشيقات بين الأصنام، وتلاشت من مراياهن ستارة الصبح الجديد. ولو حدث أن حملت قلماً وكتبت البداية، فإنك، من غير أن تدري، تكون أجّجت الصراع بين الخير والخير، ورميت من تحبهم في الحبكة المرّة، يتقلبون في مصائر ليست لهم.

وإذا حاصرت الزمن بين غلافين، وأجبرت عقارب الساعات أن تمشي في خط مستقيم، فإنك قد تفوز بالوهم، وقد ينتصر السردُ في كلماتك، لكنك لن تصل إلى الحقيقة إلا حين تضيع في عينيها. وإلا حين تُدرك، أن المرأة التي كتبتَ من أجلها كل هذا الروي، كانت تجلس وحيدة على صخرةٍ قرب الماء، وما من مؤنسٍ لانتظارها سوى عصافير التمني، وفراشات مرةً سوداء ومرة بيضاء. واقصد المرأة التي نادتك في الطفولة كي تصهل في خواء أيامها، لكنك، باليد المرتبكة، حملت القلم ورحت تهذي بقصائد مجنونة تكتبها على الجدران. وبدلاً من أن تطرق باب قلبها، رآك الحائرون وأنت تقفز فوق بيوت جيرانك تطارد طائرات الورق. ورآك المنتبهون وأنت تسقط كل يوم في هروبك المستمر. والمرأة التي كانت في الطفولة حلماً واضحاً، صارت اليوم شمعةً لهذيانك الطويل.

تعالي..
أحتاج يدكِ لأمحو حيرتي
أحتاج شعركِ كي أطير
وأحتاج جناحك لأصير حراً
نقشتُ اسمك على جبيني
لكن العاصفة
غسلت بترابها ملامحي الأولى
وما عدتُ أرى في الذكريات
سوى رقصة النسيان
والخوف، بعيونه العمياء
يفصل بيننا
كلما طال الغياب. .

No comments:

Post a Comment