Friday, April 29, 2016

الكتاب



بين غلافين تسكن بهجة الدنيا، وعلى ورقٍ تنبتُ امرأة المعنى، ومن حبرٍ ترتوي الحكمة وتصير رجلاً يمشي بجناحين. كلما انفرج باب الكتاب، شعّت الكلمات في العتمة، وطارت مثل عصافير مسافرة. واليد التي تحمل الكتاب، ستراها في كل يومٍ تصفقُ لمن صعدوا سلالم الخيال، وطهرّوا طريق الأحلام. سيكون على الشاعر أولاً أن يجرح الرتابة ويمسحُ ظلها من على الوجوه. الشاعرُ، وهو حامل الاقلام في الزمن الواقف، سنراه يهدم الأسس التي تكلّست في غيّ جمودها حتى صارت الافكارُ حصياً في العقول. وبطعنةٍ في ورقة الريح، سيرسم باباً واسعاً الى الحرية ويقول للناس: تجمهروا في شتات رحابها. وبعد ذلك، ستأتي امرأةٌ وتدخل في الروايات لتوقف ساعة الحرب، وتبث بين دخانها جرساً من الألوان. وبعد مائة عامٍ من العزلة في الجبال، سينزل الحكيمُ وفي يده قنديل الكلمة، وسنرى الليل الذي تجهّم في مرايانا يبتسم. وسنشهد بأم أعيننا جبل العناد وهو يذوب بلمسةٍ من حنان امرأة تعشق الرحيل الى المستحيل. 
يا الكتاب. يا وجه من زعزعوا هدوء الحجر. دخلناكَ صغاراً، فتبللت الدروبُ بمطرٍ يفيضُ ولا حدود لمنتهاه. وحين شببنا نلاحقُ فراشة الرؤيا، قادنا خيطُ التمني لندخل في سكرة الضوء. ولم ننتبه لخطوتنا يوم داست على شوك السؤال وجرى من تحتها دمُ الشك. وكل كتاب جلسنا قرب صوته في البدايات، صار رنّة من حنينٍ أخضر. وكل صفحة ركضنا بين سطورها في شقاوة الاكتشاف، بدّلت في دواخلنا مياها كثيرة. واليوم، حين نسكنُ بيتاً من ورق الخيال، ويطيبُ لأرواحنا اللوذ به، فذلك لأن نوافذه تفتحُ على مشهد الوجود كله. وما كان عصياً على التكوين، نراهُ مجسداً في لحظة اقتراب الحبر من الحبر. هكذا سنظل نولدُ من اشتقاقاتٍ قرأناها في الرقاقات، ونثرناها جسراً على جسد الريح كي تعبر قلوبنا من بين الاسرار، ولا يعكّر صفوها اللغو الكثير.
ادخلي ايتها الكلمة، أخرج أيها الجهل. في كتاب الزمان، ستعادُ الحكايات مراراً، لعل العيون الحائرة تهتدي لمراياها. وفي كتاب المكان، سيدرك الحاذقون أن المبنى هو المعنى، وكلاهما يتداوران في ترنيمة الفطرة، وفي انقلاب الضدّ. وهؤلاء الذين حفروا على جدار الدهر صورةً أخرى للحياة، إنما كانوا يبجلّون انعتاق الروح، فلربما يوماً تُزاحُ الغمامة الواهية، ويحلُّ مكانها صحوٌ نقيّ.

No comments:

Post a Comment