Friday, April 8, 2016

كـؤوس


منتصراً أو مهزوماً، يحمل كل منّا كأسه بيديه ويعبر في الحياة عطشاناً فتسقيه الدنيا من ألوانها عجباً، ومع انقلاب الأيام ودوران الظروف، يتغير طعم الكأس في كل مرة. هذا ينتشي فرحاً ويشرب من كأس النصر ما يغذي عزته ومجده، وذاك يظل حاملاً كأسه الفارغة يطوف بها مستجدياً أن ترحمه الغيمة العابرة، وثالث تتناثر كل الكؤوس تحت قدميه فلا يكترث لأسباب الدنيا، ولا يُضجر نفسه بأسئلتها. ومن الكؤوس ما تدور بين الأيادي والرؤوس فلا يعرف أحد هي في الأصل لمن، ومنها ما تكون ذهبية ومقدسة حتى لو كانت فارغة، وقد تتغير المعاني فيكون العقل كأس الذكريات مرها وحلوها، ويكون القلب كأس الأمنيات قريبها وبعيدها.


كأس المر:
يتجرّع المحروم من كأس المرارة ملسوعاً في حلمه، ملدوغاً بشوكة الندم وهو يرى الأيام تعاند خطواته. كلما مشى نحو حلم، عاد ليجد نفسه في المكان نفسه، تمر عليه قطارات الرحيل فلا ينتبه إلا حين تغلق أبوابها، وترفرف الفرص العظيمة فوق رأسه، لكنها تغادر إن مد يده نحوها. والبشر جميعاً يتذوقون من كأس المر شيئاً، لكن طعمه اللاذع يدفعهم لرمي هذه الكأس بعيداً، وكثيرون ربما يدمنون ما فيها، مستسلمين إلى قدر الخنوع. وهؤلاء، يصبحون بالتدريج مجرد كرات يركلها العابرون في ملعب المصير.


كأس السم:     
الكأس المسمومة التي تقدمها لك يد الغدر ممزوجة بالعسل، قد تطرحك مريضاً لأيام، لكنك لن تموت إن ارتشفت منها قطرة أو قطرتين. وقد تنهض قوياً. ومن يتخذ الغدر والخيانة نهجاً، يعُد ليشرب من الكأس نفسها في النهاية، مفضوحاً ومرفوساً خارج التاريخ والأمكنة، وخارج قلوب الناس. ولا يموت من الكأس المسمومة إلا من يشربها مختاراً أو مجبراً. منهم سقراط الذي قال كلاماً حلواً عن الحياة فعاقبوه بأن يتذوق مرّها، والعاشق روميو الذي تجرّع الحب سماً ومات مبتسماً، يده في يد من يحب.

كأس الفراغ:
هؤلاء الذين تزبد أفواههم من كثرة الهرج، لا يملون أبداً من تجرُّع كأس الفراغ في كل لحظة. كلماتهم الخالية من المعنى تفقسُ مثل فقاعات صغيرة ولا تحدث دوياً أو أثراً في قلوب السامعين. يغرفون من السراب ما يروي عقولهم الخاوية، وتظل أرواحهم جافة لا يشفيها إلا الركون قليلاً إلى الصمت، والإصغاء للحظة لما يعتمل حقاً وصدقاً داخل النفس. هؤلاء إن سقوا الوردة يوماً فإنها تذبل وتذوب. وإن دخلتَ عليهم عطشاناً بعد سفر وليل، يمتصّون برعم الخيال من رأسك الأخضر، ويعيدونه لك في الصباح عصا. قال لي الحكيم يوما: إيّاك أن تشرب من يدهم، حتى لو كان خريرهم نهراً.


كأس الحياة:
تذبل الروح ويذوي صداها في الانتظار
لكن يدكِ، وهي غيمةٌ من عبق
تمطر في كأس عمري عمراً
أصافح بها الأيام
أصالح بها كل المرايا
وأكبرُ عرساً مستمراً للحياة.. 

No comments:

Post a Comment